هل تنجح المناطق التجريبية؟

منذ أسابيع، يتردد في الأوساط السياسية والإعلامية حديث عن ما يسمى بـ"المناطق النموذجية"، وكأنها الوصفة السحرية التي ستنقل لبنان تدريجياً من واقع السلاح غير الشرعي إلى كنف الدولة. غير أن هذا الطرح، مهما حسنت النوايا التي تقف خلفه، يصطدم بوقائع ميدانية وسياسية تجعل تطبيقه بالغ الصعوبة، إن لم يكن مستحيلاً في الظروف الراهنة.

المشكلة الأساسية ليست في رسم خرائط جديدة أو تصنيف قرى وبلدات على أنها "نموذجية"، بل في السؤال الجوهري: هل هناك قرار سياسي واضح ونهائي بحصر السلاح بيد الدولة؟ فإذا كان الجواب سلبياً، فإن كل المشاريع الأخرى تبقى مجرد عناوين إعلامية لا أكثر.

إن الافتراض بأن عناصر حزب الله سيتحولون ببساطة إلى "مدنيين" داخل هذه المناطق، بينما تبقى البنية التنظيمية والعقائدية والقدرات اللوجستية قائمة، هو افتراض يتجاهل طبيعة التنظيم نفسه. فالمسألة ليست مرتبطة بالمظهر الخارجي أو باللباس العسكري، بل بوجود تنظيم مسلح يمتلك هيكلية وقراراً مستقلاً عن مؤسسات الدولة.

من هنا، فإن الحديث عن أن الجيش اللبناني سيواجه "مدنيين" هو تبسيط مخل للمشكلة. فالجيش لا يواجه المواطنين بسبب انتماءاتهم السياسية، ولا ينبغي أن يفعل ذلك. أما إذا حمل أي طرف السلاح في مواجهة الدولة أو منعها من بسط سلطتها، فإن المسألة تصبح مسألة تمرد على السلطة الشرعية، لا مجرد ممارسة لحق سياسي أو معارضة ديمقراطية.

وهنا تكمن العقدة الحقيقية التي يتجنب كثيرون مواجهتها. فالمعارضة السياسية حق دستوري مكفول لكل اللبنانيين، أما الاحتفاظ بقوة عسكرية مستقلة قادرة على فرض إرادتها خارج مؤسسات الدولة، فهو أمر مختلف تماماً، لأنه يطرح إشكالية احتكار الدولة للقوة، وهو أحد أسس قيام أي دولة حديثة.

الأخطر من ذلك أن بعض اللبنانيين لا يزال يعيش على أمل أن تنجح حلول جزئية تتجاوز أصل المشكلة. فبدلاً من معالجة قضية السلاح مباشرة، يجري البحث عن صيغ التفافية، وكأن الأزمة تقنية أو إدارية، فيما هي في جوهرها أزمة سيادة وقرار سياسي.

وفي المقابل، لا يساعد خطاب حزب الله نفسه على بناء أي ثقة بإمكان الوصول إلى تسوية قريبة. فالحزب ما زال يعلن رفضه لأي مسار يؤدي إلى التخلي عن سلاحه، ويصر على تقديم نفسه باعتباره "منتصراً"، رغم أن مناطق واسعة من الجنوب والبقاع والضاحية تعرضت لدمار هائل، وخسر آلاف اللبنانيين منازلهم ومصادر رزقهم، فيما لا تزال عملية إعادة الإعمار تواجه تحديات كبيرة.

إن الإصرار على وصف هذا الواقع بالانتصار يثير نقاشاً سياسياً واسعاً حول مفهوم النصر ذاته، وحول مدى انسجام هذا الخطاب مع الوقائع التي عاشها السكان على الأرض. فحين تكون القرى مدمرة، والاقتصاد منهكاً، والدولة أضعف من أي وقت مضى، يصبح من الطبيعي أن يتساءل اللبنانيون: أي انتصار تحقق، ولمن؟

كما أن حالة الإنكار التي تطغى على جزء من الخطاب السياسي لا تساعد على إيجاد حلول، بل قد تؤدي إلى تعميق الهوة بين الرواية السياسية والواقع الملموس الذي يعيشه المواطنون يومياً.

إن المجتمع الدولي يدرك أن أي خطة لا تتضمن معالجة فعلية لمسألة السلاح ستبقى ناقصة، كما أن أي استقرار دائم لا يمكن أن يقوم على حلول مؤقتة أو على إعادة إنتاج الأمر الواقع بصيغ جديدة.

اليوم، يقف لبنان أمام استحقاق مصيري: إما الانتقال التدريجي إلى دولة تحتكر وحدها السلاح والقرار الأمني، وإما الاستمرار في إدارة الأزمة عبر تسويات مؤقتة لا تعالج أصل المشكلة. وبين هذين الخيارين، تبدو مشاريع "المناطق النموذجية" أقرب إلى محاولة لإدارة الأزمة لا لحلها.

إن بناء الدولة لا يبدأ من تقسيم الجغرافيا إلى مناطق نموذجية وغير نموذجية، بل يبدأ من مبدأ واحد لا يحتمل التأويل: أن تكون الدولة وحدها صاحبة القرار العسكري والأمني، وأن يخضع جميع اللبنانيين، من دون استثناء، للقانون نفسه والسلطة نفسها.

وحتى يتحقق ذلك، سيبقى الحديث عن "المناطق النموذجية" أقرب إلى أمنية سياسية منه إلى مشروع قابل للحياة، لأن المشكلة ليست في حدود القرى، بل في حدود سلطة الدولة نفسها.