المصدر: النهار
الكاتب: ابراهيم بيرم
الخميس 7 أيار 2026 15:56:20
في قراءة "حزب الله" لأبعاد الغارة الإسرائيلية المفاجئة على الضاحية الجنوبية في الساعات الماضية، وهي الأولى منذ نحو شهر، خال كثر أنه تجسيد لسردية تحييد الضاحية وبيروت عن الهجمات الإسرائيلية ليكون ذلك بمثابة "هدية" أميركية للبنان لكي يمضي قدماً في مسار المفاوضات المباشرة مع إسرائيل في وجه الاعتراضات عليه، أنها (الغارة) تأتي في صلب أهداف الحرب الإسرائيلية المتوالية فصولاً، على بيئة الحزب.
فالغارة حدثت في ذروة الكلام عن تقارب يحدث بين طهران وواشنطن يمكن الرهان على أن يؤدي في نهاية المطاف إلى اتفاق بين الدولتين، لذا ليس مستبعداً في تلك القراءة أن إسرائيل شاءت من خلال "صندوق بريد الضاحية" أن تسجل اعتراضاً مسبقاً على أي اتفاق من هذا النوع من شأنه أن يحقق لإيران حصة شراكة في الساحة اللبنانية، علماً بأن تل أبيب تجد فرصتها الآن في إبقاء لبنان حصّة كاملة لها حصرياً تستطيع تطويعها وإخضاعها لاحقاً في إطار اتفاق صلح تراه تل أبيب دانياً.
إلى ذلك، أرادت إسرائيل من خلال هذه الغارة أن تكرر تجربة تعتبرها قمّة النجاح، عندما أقدمت في بدايات حرب الـ66 يوماً على شن غارة أفضت إلى "إبادة" لكل قيادة قوة الرضوان التي كان الحزب يهيّئها لتكون درّة التاج في جهازه العسكري، وقتلت أيضاً العديد من القيادات العسكرية في الحزب في عملية تفجير البيجر، ولا ريب في أن إسرائيل كانت تراهن على أن يكون نجاح هذه العملية غطاءً يستر على الضربات التي يتلقاها عسكرها في المنطقة "الصفراء" الحدودية بفعل تكتيك "المسيّرات الانقضاضية".
وبناءً على ذلك، فإن الحزب يقر ضمناً بأن إسرائيل تريد منه أن يبادر هو إلى ردّ "متهوّر" من شأنه أن يفضي إلى إسقاط تام لأجواء خفض منسوب العنف الذي حيّد طوال الأسابيع الماضية الضاحية الجنوبية وبيروت ما شكل عنصر راحة نسبية للحزب وبيئته، علماً بأن إسرائيل قبلت بهذه التهدئة على مضض، وتحت وطأة ضغط أميركي شديد خدمة لمسار المفاوضات المباشرة بين بيروت وتل أبيب، الذي يتم برعاية أميركية لكون واشنطن تراهن على أن يقود إلى معاهدة سلام دائمة بين البلدين تخرج لبنان نهائياً من دائرة الصراع العربي - الإسرائيلي.
ولكن الحزب لا يخفي أنه يدير معركته مع إسرائيل بحرص شديد، وهو يتحاشى الانجرار إلى ما تريد إسرائيل تحقيقه من أهداف في المرحلة الحالية وأبرزها ممارسة اعتراضها على المسار الذي بدأته ادارة ترامب لإيقاف حربها ضد إيران.
وبناءً على ذلك فإنه لا يكتم أنه حريص على إبقاء الضاحية الجنوبية بمنأى عن حربه مع إسرائيل لكي يتفرّغ تماماً لمواجهاته في المنطقة الحدودية الجنوبية خصوصاً أنه يعتبر أنه ألحق أكبر الأذى بالقوات الإسرائيلية بفعل "مسيّراته الانقضاضية".
ويعتبر الحزب أنه نجح في استدراج إسرائيل إلى فخ في المنطقة الحدودية، ما يسهّل عليه إعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب في أيار عام 2000. والحزب في هذا السياق ينصت بارتياح إلى الإعلام الإسرائيلي وهو يحذّر من تكرار تجربة الثمانينيات والتسعينيات في جنوب لبنان.
وباختصار فإن الحزب الذي لم ينفِ أو يؤكد السردية الإسرائيلية عن تصفية قائد قوة الرضوان في غارة الضاحية الأخيرة، يعلن أنه ليس في وارد الخروج من نمط المواجهة الذي اتبعه منذ 2 آذار الماضي والذي يتعامل معه على أساس أنه "تجربة ناجحة"، لذا فإنه ليس وارداً أن يبادر إلى ما يفضي إلى تبديد أجواء التهدئة النسبية الحالية.