هل سيوفر "حزب الله" الحرب على لبنان؟

تصعب رؤية ما إذا كانت زيارة البابا لاوون الرابع عشر ستشتري للبنان وقتاً اضافياً لحسم أموره وترتيب أوراقه أو ستنقله، كما تأمل غالبية اللبنانيين، إلى ضفة الاطمئنان والسلام في ظل ضباب التهديدات والتحذيرات مما هو آت على لبنان اذا لم يسارع إلى تنفيذ التزاماته بحصرية السلاح ونزع سلاح "حزب الله" قبل نهاية السنة. وذلك فيما يتعاظم القلق على كل مستويات اللبنانيين في الداخل والخارج الاغترابي على حد سواء من حرب كارثية جديدة باتت تطغى انعكاساتها بقوة قبل شهر من نهاية المهلة الاميركية نهاية السنة الجارية والتي تلوح بها اسرائيل على قاعدة ان هذه المهلة هي الحد الاقصى الذي لا يزال متاحاً أمام السلطة اللبنانية.
 
هذه الأخيرة تحركت على أكثر من مستوى في الأيام الأخيرة في إطار تظهير جديتها وعدم تساهلها وبدت في سباق حقيقي مع الوقت لتجنيب لبنان الاحتمالات الاسوأ. الجيش اللبناني عرض للإعلام المحلي والخارجي إنجازاته في نزع سلاح الحزب في جنوب الليطاني دحضاً للسردية الاسرائيلية في هذا الإطار ودحضاً للمعلومات عن حاجته إلى تمديد مهمته في هذه المنطقة وتظهيراً للخارج المشكك في طبيعة هذه الانجازات عزمه واصراره على متابعة مهماته.
 
وزارة الخارجية وفي الشكوى التي تقدمت بها الى مجلس الامن الدولي حول بناء اسرائيل جدارين ينتهكان سيادة لبنان على الحدود اللبنانية الإسرائيلية كانت واضحة في إبراز رغبة لبنان في التفاوض مع اسرائيل وأعادت التأكيد على التزامها المضي قدماً بتنفيذ تعهداتها لجهة تطبيق قرار مجلس الأمن 1701 كاملاً دون اجتزاء أو انتقاء، كما وإعلان وقف الأعمال العدائية، بما يؤدي إلى استعادة الدولة اللبنانيّة قرار السلم والحرب، وحصر السلاح بيدها وبسط سيادتها على جميع أراضيها بواسطة قواها الذاتيّة حصراً. وهي لم تكتف بالشكوى فحسب. مجلس الوزراء الذي يستعد لمناقشة تقرير جديد للجيش اللبناني حول تقدم خطته حول نزع السلاح وضع على جدول أعمال جلسته المقبلة بنداً أول أورد فيه انه سيتضمن "عرض قيادة الجيش الشهري حول خطة حصر السلاح في المناطق اللبنانية كافة إنفاذاً لقرار مجلس الوزراء رقم 1 تاريخ 5-8-2025 والقرارات ذات الصلة" ، أي قرار الحكومة في 5 آب/أغسطس الذي اعتبره "حزب الله " خطيئة ". فيما أن ما سيكون على المحك فعلا هو رد فعل الثنائي الشيعي ازاء ذلك في جلسة مجلس الوزراء وهل سينسحب وزراؤه أو انه سيرسل رسالة واضحة لا لبس فيها ازاء تموضعه الايجابي الداعم من قرارات الدولة لتجنيب لبنان الحرب .
 
فهذا جوهر الموضوع أي التزام الحزب بموقف الدولة وخطة الجيش صراحة ومن دون مواربة فحسب. اذ ان المطلوب والمنتظر اجماع لبناني معلن وحاسم لا يخرقه اعتراض شيعي وايراني من المحتمل أن يرمي لبنان في اتون حرب سيتم السكوت عنها كليا في الخارج بعد سلسلة التحذيرات للبنان والدفع في اتجاه ان تحسم الدولة امورها بالكامل. فسلاح الحزب صار عبئاً حقيقياً على الدولة اللبنانية وعلى اقتصادها وعلى أمنها وحتى على مستقبل أبناء الطائفة الشيعية وحاضرهم. اذ صادق الامين العام للحزب نعيم قاسم على التقويم الذي قدمته اسرائيل حول القائد العسكري للحزب الذي اغتالته اسرائيل اخيرا هيثم علي الطبطبائي على نحو يعطي صدقية لكل السردية الاعلامية الاسرائيلية التي كشفت الحزب وقياداته خلال العام الاخير من الحرب ولا تزال تثبت عن مدى قدرتها على اختراقه.
 
لا تملك السلطة في لبنان المعطيات عن جدية التحذيرات التي وصلتها فحسب بل تستطيع ان تقرأ الادانات الاقليمية العربية والغربية لانتهاك اسرائيل سيادة سوريا وتوغلها في بيت جن في جنوب سوريا ولا تسمع اي ادانة لما يحصل من انتهاكات اسرائيلية لسيادة لبنان على رغم التصديق عليها من القوة الدولية في الجنوب. ولذلك تجهد لان تشكل هذه العناصر جميعها نقاط ارتكاز عملانية وليس تنظيرية او مبدئية تستند اليها الدول الصديقة لابراز جدية لبنان وممارسة ضغوط على اسرائيل لمنع تصعيد حربها على لبنان، ما يفيد بان التحذيرات ليست عبثية او اعلامية بل واقعية ومتصاعدة حتى عشية وصول البابا إلى بيروت، كما لو أن مهلة السماح اذا وجدت لن تتعدى مهلة اليومين اللذين ستستغرقها الزيارة. اذ يخشى أن أي انجاز يحققه او يتحقق للبنان ستشكل مفاعيله سريعا في ظل وضع مضطرب وسريع الاشتعال.
 
لم ينل تلويح وزير الدفاع الاسرائيلي يسرائيل كاتس بالانسحاب من اتفاق ترسيم الحدود البحرية مع لبنان تزامنا مع توقيع لبنان اتفاقاً حول الحدود البحرية مع قبرص باي اهتمام سياسي او اعلامي لبنان على رغم خطورته. اعتبرته مصادر سياسية عنصرا يندرج في اطار الضغط على الحكومة اللبنانية من جهة وحتى على الثنائي الشيعي الذي فاخر بانجازه عبر التفاوض الأميركي لتحقيق الترسيم الحدودي البحري مع اسرائيل. وهو شكل دليلا بالنسبة الى هؤلاء على حذر اسرائيلي ازاء التصعيد العسكري ما يدفعها الى استلال كل اوراق الضغط الممكنة على لبنان. ولكن المنطق السياسي يحتم عدم تجاهل هذا الانذار تماما كما الانذار الذي شكله الغاء مواعيد قائد الجيش في واشنطن أخيرا.