المصدر: النهار
الكاتب: اسكندر خشاشو
الأربعاء 20 أيار 2026 11:31:35
لم يعد الحديث داخل إسرائيل يقتصر على إقامة "منطقة عازلة" في جنوب لبنان، بل بدأ ينحو تدريجا إلى خطاب أكثر تطرفاً يتحدث صراحة عن إمكان الاستيطان والعيش داخل الأراضي اللبنانية الحدودية. ورغم أن هذه الطروحات لا تزال ضمن إطار اليمين الديني والقومي المتشدد، تكمن خطورتها في أنها تتقاطع مع وقائع ميدانية تُفرض يومياً على الأرض، من تدمير منهجي للقرى الجنوبية، ومنع عودة السكان، وتوسيع نطاق السيطرة العسكرية الإسرائيلية.
التحقيق الذي نشرته وكالة "فرانس برس" وأعيد تداوله في وسائل إعلام عدة، كشف عن تنامي نشاط مجموعات استيطانية إسرائيلية تدعو إلى التوسع شمالاً، مستفيدة من الحرب الحالية ومن حالة الفراغ والدمار التي أصابت الجنوب اللبناني. وتحدث التقرير عن مجموعات تضم عشرات العائلات الإسرائيلية التي بدأت تناقش علناً فكرة الانتقال للعيش في جنوب لبنان، معتبرة أن الحرب الحالية "فرصة تاريخية" لإعادة رسم الحدود الشمالية لإسرائيل.
"الحزام الأمني" ثمّ حلم الاستيطان
اللافت أن الخطاب الاستيطاني الجديد لا ينطلق فقط من أسس دينية أو إيديولوجية، بل أيضاً من مقاربة أمنية تتبناها تدريجاً بعض الأوساط السياسية والعسكرية في إسرائيل. فبعد سنوات من اعتبار القرار 1701 ضمانا كافيا لإبعاد خطر المواجهة عن شمال إسرائيل، بات جزء من المؤسسة الإسرائيلية يرى أن ما حصل منذ اندلاع الحرب أثبت، وفق رؤيته، فشل هذا النموذج.
من هنا بدأ الحديث الإسرائيلي يتوسع من مجرد إبعاد "حزب الله" عن الحدود، إلى إنشاء واقع جغرافي وأمني جديد داخل الأراضي اللبنانية نفسها. وقد كشفت تقارير إسرائيلية وإقليمية عن خطط تتحدث عن توسيع الوجود العسكري الإسرائيلي داخل الجنوب بعمق أبعد من الليطاني، مع فرض شريط أمني واسع يمتد كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية.
لكن الأخطر ربما لا يكمن في التصريحات، بل في الوقائع التي يجري تنفيذها على الأرض في عمليات تدمير واسعة للقرى والبنى التحتية والجسور والمدارس والمستشفيات، ضمن إطار ما تصفه إسرائيل بعمليات "تطهير" أو "تنظيف" للمنطقة الحدودية.
هل الاستيطان ممكن فعلاً؟
رغم تصاعد هذا الخطاب، لا يزال تحويله إلى مشروع استيطاني فعلي يصطدم بعقبات هائلة، عسكرية وسياسية وديموغرافية.
فجنوب لبنان ليس أرضاً متنازعاً عليها من وجهة النظر الدولية، بل هو جزء من دولة ذات حدود معترف بها دولياً، وأيّ استيطان فيه سيعني عملياً إعلان احتلال مباشر وطويل الأمد، مع ما يحمله ذلك من كلفة بشرية وعسكرية ضخمة.
ولا تزال التجربة الإسرائيلية السابقة في "الشريط الحدودي" بين عامي 1982 و2000 حاضرة بقوة داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية نفسها. يومها اضطرت إسرائيل إلى الانسحاب تحت ضغط الاستنزاف الأمني والعسكري، بعدما تحولت المنطقة المحتلة إلى ساحة مواجهة دائمة.
لذلك، تبدو المؤسسة العسكرية الإسرائيلية حتى الآن أكثر ميلاً إلى خيار "المنطقة العازلة العسكرية"، لا إلى مشروع استيطاني مدني واسع. حتى إن بعض التقارير الإسرائيلية تحدثت عن خلاف سابق بين المستوى السياسي وبعض القيادات العسكرية حول مدى التوسع المطلوب داخل الأراضي اللبنانية.
تغيير ديموغرافي مقنّع؟
مع ذلك، فإن الخطر الفعلي قد لا يكون في إقامة مستوطنات بالشكل التقليدي المعروف في الضفة الغربية، بل في فرض تغيير ديموغرافي وأمني تدريجي في الجنوب اللبناني.
فالدمار الواسع، وقطع الطرق والجسور، ومنع عودة السكان، وتحويل مناطق كاملة إلى أراضٍ غير قابلة للحياة، قد تؤدي عملياً إلى شريط حدودي خالٍ من السكان، أو شبه خالٍ، وهو ما يعطي إسرائيل واقعاً أمنياً جديداً حتى من دون إعلان استيطان رسمي.
وفي هذا السياق، تبدو بعض مجموعات اليمين الإسرائيلي كأنها تحاول استباق أيّ تسوية سياسية مستقبلية عبر خطاب استيطاني مبكر، شبيه بما حصل سابقاً في الضفة الغربية وغزة قبل الانسحاب منها. فهذه المجموعات تدرك أن أي وجود مدني، ولو محدوداً، قد يتحول لاحقاً إلى ورقة ضغط سياسية وأمنية يصعب التراجع عنها.
في المحصلة، لا يمكن التعامل مع الحديث الإسرائيلي عن الاستيطان في جنوب لبنان باعتباره مجرد "خيال ديني" أو تصريحات هامشية. صحيح أن المشروع لا يبدو قابلاً للتنفيذ في المدى المنظور، لكن الأخطر هو البيئة السياسية والعسكرية التي تسمح بطرح هذه الأفكار أصلاً، بالتوازي مع عمليات تغيير ميداني واسعة تجري جنوباً.
فما يحصل اليوم يتجاوز مجرد مواجهة عسكرية مع "حزب الله"، ليطرح سؤالاً أكبر: هل تحاول إسرائيل إعادة صياغة الحدود الشمالية بالقوة، وفرض نموذج أمني جديد قد يتحول مع الوقت إلى واقع دائم؟