المصدر: النهار
الكاتب: ابراهيم بيرم
السبت 20 حزيران 2026 19:34:29
لم يكن الإعلان الأميركي المفاجئ خلال الساعات الماضية عن وقف للنار في الجنوب اللبناني جرى التوصل إليه بين إسرائيل و"حزب الله"، الأول من نوعه منذ اندلاع المواجهات عام 2023.
لكن الإعلان الأخير بعد ظهر الجمعة الماضي انطوى على العديد من المؤشرات والأبعاد التي لها صلة بمعادلة فرضت نفسها إثر توقيع إيران والولايات المتحدة مذكرة التفاهم الرامية إلى وقف الأعمال العدائية بينهما.
فهو أتى، كما صار معلوماً، بعدما هدّدت طهران صراحة بأنها لن تمضي قدماً في تطبيق مندرجات مذكرة التفاهم تلك ما لم توقف إسرائيل حربها على لبنان و"حزب الله" وتلتزم ما ورد في مقدمة هذه المذكرة لجهة وقف الحرب الإسرائيلية على لبنان والحزب. ونفذت تهديدها عندما كشفت أنها لم ترسل وفدها إلى سويسرا لبدء الجلسة الأولى من جلسات تفاوضها مع الوفد الأميركي لتطبيق مذكرة التفاهم ضمن مهلة 60 يوماً.
لكن إعلان واشنطن هذا لم يأخذ طريقه نحو التنفيذ الفعلي، إذ لم تلبث إسرائيل أن استنأنفت هجماتها البرية والجوية، فيما واصل مقاتلو الحزب استهدافاتهم للقوات الإسرائيلية في مناطق الاشتباك المباشر وخصوصاً في محيط تلة علي الطاهر الاستراتيجية في محيط النبطية وفي الجبهات الخلفية. وأكثر من ذلك، بقيت إسرائيل تجاهر بأنها تحتفظ لنفسها بـ"حرية الحركة" وباستهداف كل ما تراه خطراً على أمنها، فيما كان الحزب يعلن أنه لن يبقى ملتزماً وقف النار إذا ما استشعر أن الإسرائيلي يبادر إلى خرقه.
تقاطع بين الحزب وإسرائيل
الواضح أن الإسرائيلي والحزب يتقاطعان من خلال موقف كل منهما المعلن هذا، على إرساء معادلة ميدانية على هامش المفاوضات الإيرانية - الأميركية الهادفة إلى تنفيذ البنود الـ14 التي نصّت عليها مذكرة التفاهم الموقعة بينهما والتي جعلت الوضع اللبناني جزءاً منها، نزولاً عند المشيئة الإيرانية.
والحال أن إسرائيل تسعى جاهدة إلى تكريس بند حرية الحركة لجيشها في لبنان، الذي طبّقته بحذافيره عندما فرضت تفسيرها الخاص لاتفاق وقف النار الذي تم التوصل إليه في 27 تشرين الثاني عام 2024، فأباحت لنفسها حرية ملاحقة كوادر "حزب الله"، كما أجازت لطائراتها الإغارة على أي منطقة تدرجها في خانة تحصينات الحزب ومخازنه وترسانته الصاروخية.
وليس خافياً أن إسرائيل تسعى أخيراً إلى إدخال بند جديد على هذه المعادلة عبر إعلان ما سمّته منطقة "الخط الأصفر"، وهي البقعة الجغرافية الجنوبية الممتدة على طول حدودها مع لبنان، التي توغلت فيها برّاً منذ 2 آذار الماضي وتقدّرها بخُمس مساحة الجنوب، ومن خلال الإعلان أنها لن توقف نشاطها العسكري فيها وعلى تخومها، بحجة منع أي هجمات عليها إبان هدنة الـ60 يوماً، وما يتخللها من مفاوضات بين الجانبين الإيراني - الأميركي، وحتى خلال المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية المباشرة في واشنطن.
لا قبول بالأمر الواقع
في المقابل، يبادر "حزب الله" إلى الإعلان على لسان أمينه العام الشيخ نعيم قاسم وناطقين باسمه، أنه لن يقبل مطلقاً بأيّ أمر واقع يعيد عجلة الأمور إلى ما كانت عليه قبل 2 آذار، أي قبل انخراطه مجدداً في المواجهات المباشرة مع الإسرائيليين بعد توقف استمر نحو سنة وخمسة أشهر.
وعموماً، فإن إسرائيل والحزب يتصرفان على أساس أن الظروف غير مهيّأة عندهما لوقف النار في ميدان حربهما الضارية في الجنوب، بقطع النظر عن مآلات التفاوض بين واشنطن وطهران، إنفاذاً لمذكرة التفاهم المبرمة بينهما قبيل أيام.
والحزب يرى عبر مصادر على صلة به، أن الإسرائيلي مضطر في المرحلة المقبلة إلى التعامل بسلبية مع أي اتفاق لوقف النار انطلاقاً من اعتبارين:
الأول أن عليه أن يخوض اختبار تحدٍّ مع الأميركي الذي وقّع مذكرة تفاهم مع الإيراني أتت على نقيض ما يرغب فيه ويتوقعه. الثاني أن عليه أن يكرّس معادلة ميدانية في الجنوب تشكل عامل ضغط إضافياً يمارسه على لبنان لفرض ترتيبات أمنية تكون وفق رؤيته وتخرج لبنان من دائرة الصراع معه وتمنع على الحزب إعادة إنهاض بنيته العسكرية لاحقاً. وبناءً على ذلك، تؤكد المصادر نفسها أنه يمكن أن يكون هناك خفض لمستوى التصعيد على الجبهة اللبنانية في مقبل الأيام، لكنّ وقفاً شاملاً للنار أمر يصعب بلوغه حالياً.