الأربعاء 10 آب 2022

12:44

هل يمكن للبنان النهوض من ازماته في ظل حالة "الشيزوفرانيا السياسية" التي تسيطر على سلوك المسؤولين في الدولة؟

المصدر: مجلة الأمان

تعيش الساحة اللبنانية في ظل حالة من الانسداد السياسي والانهيار الاقتصادي على كل المستويات، وقد كشف المستوى الذي وصل اليه السجال السياسي بين التيار الوطني الحر ورئيس الحكومة نجيب ميقاتي حجم الانحدار في الخطاب السياسي الذي وصل الى حد اتهام التيار الوطني الحر الرئيس ميقاتي بالفساد فقال في بيان له " أمرك عجيب يا نجيب، فأنت تتهم التيّار الوطنيّ الحرّ بالفساد فيما جعلت من الفساد نهجاً لحياتك منذ أن بدأت في لبنان خلال الحرب بالمتاجرة بالخطوط والإتصالات الدولية المشبوهة"، وتناسى التيار الوطني الحر والنائب جبران باسيل انه كان شريكا للرئيس ميقاتي في كل الحكومات التي شكلها، ويبدو ان هذا السجال السياسي الدائر في لبنان حاليا بين رئاسة الحكومة وجبران باسيل مرتبط بصورة مباشرة بالاستحقاق الرئاسي الذي يمثل الهاجس الاول لجبران باسيل ، حيث يأمل باسيل من الحملة الممنهجة على الرئيس ميقاتي زيادة اسهمه الرئاسية لدى حليفه "حزب الله" الذي مازال على الحياد حتى الآن في الخلاف القائم بين الرئيس عون وجبران باسيل والرئيس ميقاتي حول عملية تشكيل الحكومة . وفيما يؤكد الرئيس ميقاتي انه قام بما يتوجب عليه لناحية تقديم تشكيلة حكومية مناسبة للفترة التي تسبق الاستحقاق الرئاسي، يرى الرئيس عون وجبران باسيل ان الرئيس ميقاتي لايريد تشكيل حكومة حتى يتسنى له تسلم صلاحيات رئاسة الجمهورية بعد انتهاء ولاية الرئيس عون في شهر تشرين اول القادم.

ويحدث هذا السجال السياسي العقيم بين الرئاستين الاولى والثالثة فيما البلاد تغرق في ازماتها حيث الكهرباء مقطوعة وغائبة عن معظم الناطق اللبنانية، والازمات تحاصر اللبنانيين في كل نواحي حياتهم، والدولة ومؤسساتها في غيبوبة كاملة عن معاناة اللبنانيين ، وكأن ما يجري في بلد اخر لا علاقة له بلبنان واللبنانيين. فهل يمكن للبنان النهوض من ازماته في ظل حالة "الشيزوفرانيا السياسية" التي تسيطر على سلوك المسؤولين في الدولة؟

السجال السياسي الدائر بين اهل السلطة حاليا حول تشكيل الحكومة وحول الصلاحيات الرئاسية والحكومية يدور فيما المنطقة تغلي من حولنا والجهات الاقليمية والدولية تعمل من اجل تحقيق مصالحها ، ويتناسى المسؤولون في لبنان اننا اصبحنا مجرد ورقة من الاوراق التي يجري التفاوض حولها .

فالاتفاق حول ترسيم الحدود البحرية مع العدو الصهيوني والذي يجري التفاوض حوله عبر الوسيط الاميركي آموس هوكشتاين يجري في ظل المفاوضات القائمة بين اميركا وايران حول الملف النووي الايراني، وهناك اكثر من طرف يؤكد ان اي اتفاق لترسيم الحدود البحرية بين لبنان والعدو الصهيوني سيكون متعذرا اذا لم يتم التوصل الى اتفاق بين اميركا وايران حول انهاء العقوبات الاميركية على ايران حيث صرّح قائد الحرس الثوري الإيراني حسين سلامي، ان "العدو امام طريق مسدود لشن أي عمل عسكري ضد ايران، لأن لدى "حزب الله” أكثر من مئة ألف صاروخ جاهزة لفتح باب جهنّم على إسرائيل”، وهذا الموقف الذي اعلنه قائد الحرس الثوري الايراني يربط بصورة مباشرة بين الوضع اللبناني وقضية ترسيم الحدود البحرية مع العدو الصهيوني والخلاف الاميركي – الايراني في المنطقة ، ومع ان قضية ترسيم الحدود البحرية يعول عليها لبنان والطبقة السياسية كثيرا من اجل الخروج من ازمته الاقتصادية الا ان القرار فيها كما يبدو مرتبط بملفات اقليمية عدة ، ومع ذلك يضع المسؤولون رؤوسهم في الرمال ويدخلون في سجالات حول حصص وزارية وتعيينات ادارية وكأن بنيان الدولة ما زال قائما ولم يسقط بعد.

اما بالنسبة للوضع الاقتصادي والازمات الاجتماعية والصحية التي يعيشها اللبنانيون فالواقع اصعب بكثير، فالمسؤولون في الدولة يتصرفون وكأن الامور بخير وبدلا من اعلان حالة طوارئ اقتصادية واجتماعية من اجل التخفيف من معاناة اللبنانيين خصوصا في فصل الصيف يتصرفون وكأنهم غير معنيين بأي امر من الامور، فازمة الكهرباء على حالها حيث الانقطاع وصل الى ما يقارب الصفر في كل المناطق اللبنانية ومع ذلك لاتتقدم الحكومة بأي حل ولو مؤقت للتخفيف من معاناة اللبنانيين ، وينسحب الامر كذلك على الشأنين الاقتصادي والصحي ، والمؤسف اكثر هو حالة الاستسلام الكامل من قبل اللبنانيين لهذه الاوضاع حيث التحركات الاحتجاجية قليلة وشبه معدومة، وكأن الشعب اللبناني الذي انتفض على السلطة في 17 تشرين اول 2019 وخرج بعشرات الآف الى الشوارع والساحات احتجاجا على ممارسات السلطة، جرى استبداله بشعب آخر تجره السلطة الحاكمة الى الذبح وهو مستسلم لها.

ختاماً يمكن القول ان لبنان يتجه الى الهاوية بارادة حكامه واستسلام ابنائه ، وهذا الوضع لم يسبق ان عرفه لبنان ولا شعبه الذي كان دائما مثالا يحتذى في الدفاع عن الحريات وحقوق الانسان ونصرة القضايا المحقة، ويبدو اننا اصبحنا بفعل هيمنة غرائزنا الطائفية والمذهبية علينا مثل باقي الشعوب في المنطقة التي يسوقها حكامها الى الهاوية وهم مستسلمون بالكامل.