هل ينتقل حزب الله من «حرب الإسناد» إلى «حرب الرغيف»؟

كتب الدكتور سايد حرقص في نداء الوطن:

تتقاطع في المشهد اللبناني اليوم ضغوط الميدان مع التحولات الدولية المتسارعة في الجنوب، ولا سيما ما يتصل بمستقبل «اليونيفيل»، في وقت يتقدم فيه الجيش الإسرائيلي ميدانيًا، مع سقوط قاعدة علي الطاهر وبلوغ التهديد محيط النبطية وجبل الريحان وتلة سجد، بالتوازي مع أزمة اقتصادية ومعيشية تتعمق يومًا بعد يوم.

في هذا المشهد المتشابك، يبدو أن هامش المناورة أمام «حزب الله» على جبهة المواجهة مع إسرائيل قد ضاق إلى حدٍّ غير مسبوق، فيما تتقدم الساحة الداخلية باعتبارها المجال الأكثر قابلية أمام الحزب لإعادة خلط الأوراق، ونقل جزء من الضغط إلى الداخل، وتخفيف وطأة الاستحقاقات المتراكمة عليه، سواء من بيئته المحبطة أو من خصومه السياسيين.

ومن هنا يبرز السؤال الأكثر حساسية: هل ينتقل «حزب الله» من «حرب الإسناد» إلى «حرب الرغيف»؟

هذا التوجه ليس غريبًا عن أدبيات الحزب، فقد سبق للسيد حسن نصرالله أن عبّر عنه في محاضراته وأحاديثه سنة 1986، حين قال: «يجب أن نعمل على إنضاج الممارسة للحالة الجهادية، فعندما يصبح في لبنان مليونا جائع، فإن تكليفنا لا يكون بتأمين الخبز، بل بتوفير الحالة الجهادية حتى تحمل الأمة السيف في وجه كل القيادات السياسية».

فكلما ارتفعت كلفة المواجهة العسكرية وسقطت أوهام الدعاية العسكرية، تزداد الحاجة إلى مخارج سياسية أو اجتماعية تحفظ ما يمكن حفظه من النفوذ والمكاسب. ومن هنا، قد لا يكون الرهان على الشارع مجرد وسيلة للضغط على الحكومة، بل ورقة تفاوضية أيضًا. فإضعاف الحكومة أو دفعها إلى حافة السقوط قد يفتح الباب أمام إعادة تركيب التوازنات، وربما أمام صفقات سياسية وأمنية يجري التفاوض عليها تحت ضغط الانهيار، بحيث تصبح الأزمة المعيشية جزءًا من عملية شدّ الحبال، لا مجرد نتيجة لها.

وهنا تبرز فرضية أكثر حساسية: هل يمكن أن يحوّل «حزب الله» «حرب الرغيف» إلى وسيلة لفرض شروط داخلية على طاولة الصفقات؟ فإذا كان الاشتباك المباشر مع إسرائيل قد فرض أثمانًا عسكرية وسياسية متزايدة وبات عبئا على الحزب حتى من بيئته المقربة، فإن نقل الضغط إلى الداخل قد يخلق هامشًا للمساومة: حكومة جديدة، ترتيبات سياسية مختلفة، إعادة توزيع للنفوذ، أو شلّ الحكومة تمهيدًا لإنتاج تفاهمات تتصل بالسلاح ودور الدولة والجنوب.

لا يعني ذلك أن كل احتجاج على الغلاء، أو كل مطلب اجتماعي، هو جزء من مخطط سياسي. فالأزمة المعيشية حقيقية، ووجع الناس لا يحتاج إلى من يختلقه. لكن الخط الفاصل يبدأ عند استغلال وجع الناس وتحويله من حق اجتماعي إلى أداة استغلال سياسية في التفاوض؛ عندها يصبح الرغيف ورقة ضغط، ويصبح الشارع طرفًا غير مباشر في صفقة أكبر من مطالبه المعلنة.

وهنا تكمن المفارقة: إذا كانت «حرب الإسناد» قد جعلت الجنوب ساحة مواجهة، فقد تجعل «حرب الرغيف» لبنان كله ساحة مواجهة أو بازار تفاوض. وبين الحرب والتفاوض قد تضيع الدولة، وتتحول الحكومة إلى ورقة مقايضة، والمؤسسات إلى رهائن، ومعاناة اللبنانيين إلى ثمن يُدفع لتحسين شروط الصفقة.

المطلوب من اللبنانيين الوعي حتى لا يتحول «الرغيف» من «حق» إلى سلاح سياسي، ولا تتحول حقوق المواطن إلى مجرد ثمن لصفقة لا يعرف عنها شيئًا.