هيكلة المصارف طبخة بحص... لتبقى الودائع مجهولة المصير

لا يملك أحدٌ من اعضاء السلطة التنفيذية والتشريعية او النقدية الجرأة لتبنّي أي مشروع حقيقي لاعادة الانتظام المالي واعادة هيكلة المصارف، يشرّح فعلياً حجم الخسارة التي مني بها المودعون ويحدد حقيقة سقف المبالغ المالية التي قد يحصلون عليها والمدّة الزمنية التي ستستغرقها!

جلّ ما يفلح به اعضاء السلطة الحاكمة إن كانوا موالين او معارضين للمنظومة الحاكمة منذ عقود، هو الهروب من الحقيقة المرّة الى التصريحات الشعبوية بحرصهم المزعوم على استرداد الودائع وحمايتها رغم انهم باتوا جميعاً على يقين بان لا امكانية لاستردادها كاملة وبوسائل أنجع من التي كانت مقترحة سابقاً لا سيما خطة لازار 2020. بغض النظر عن الجهات التي ستتحمّل الخسائر، فالكارثة المالية وقعت وتفاقمت بسبب تهرّبهم من واجباتهم التشريعية، وأصبحت المعالجات والحلول أصعب وأضيق، بدليل ان الحدّ الاقصى للودائع المحميّة تقلّص منذ 4 سنوات لغاية اليوم، من 500 ألف دولار الى 100 ألف دولار!

وبالتالي، فان مراوحة السلطتين التنفيذية والتشريعية في اقرار القوانين الاصلاحية بذريعة حماية المودعين، لن تسفر سوى عن مزيد من تذويب للودائع وضياعٍ لحقوقهم مع كلّ تأخير اضافيّ في اعلان الحقيقة وتبنّيها. ورغم ان الحلول المقترحة بمشروع معالجة اوضاع المصارف الذي ستناقشه الحكومة قريباً لتحيله الى مجلس النواب ويعود بدوره الى نسفه كالعادة، تبدو غير منصفة في جانب معين للمودعين لانها تنصّ على سداد 100 ألف دولار لكل مودع مؤهل على مدى 10 الى 15 سنة و36 ألف دولار للمودع غير المؤهل، على ان يبقى مصير وديعتهم غير المحميّة مرهونا بنجاح عملية اعادة هيكلة المصارف وتعافيها، إلا ان اقرار قانون لاعادة هيكلة المصارف واجب لانطلاق عملية الاصلاح، لان البديل سيكون تعاميم صادرة عن مصرف لبنان الى ما لا نهاية، توجب على المصارف تسديد 150 دولاراً غير مضمونة شهرياً، للمودعين الذين قد ينتظرون 55 عاماً لتحصيل 100 ألف دولار من وديعتهم!

تنظيف الميزانيات

وعلى حدّ تعبير احد الخبراء الدوليين: «إذا كان لا بدّ للبلاد أن تبدأ التعافي الاقتصادي، فإن إعادة هيكلة المصارف وتنظيف ميزانياتها العمومية أمر لا بدّ منه. ونعم، يتضمن الأخير اقتطاعاً من الودائع. أما بالنسبة لطرق ونسب الاقتطاع، فيمكن أن تتخذ أشكالاً مختلفة. لكنّ الاكيد انه لا يوجد مخرج من دون المسّ بالودائع!».

وهذا ما لمّح له حاكم مصرف لبنان بالانابة وسيم منصوري من لندن، متحدثاً عن ضرورة تقبّل الواقع بأن استرداد الودائع لن يحصل بين ليلة وضحاها. فهل ما يقترحه مشروع قانون اعادة هيكلة المصارف منصف للمودعين ام انه الخيار الوحيد المتبقي؟

إيجابي وسلبي

وفي تغريدة قال الوزير السابق والخبير المالي عادل أفيوني: أوّل انطباع عن مشروع «هيكلة المصارف ورد الودائع»:

‏إن فيه جوانب ومبادئ ايجابيّة منها أنّها خطّة تقرّ بمبدأ المحاسبة ومبدأ استرداد الارباح المفرطة والتحويلات غير المشروعة

‏لكن للأسف عمليّاً ماذا يقدّم للمودعين؟ اقتطاع قاسٍ مغلّف بوعود مستقبلية بدون اي تعهّد من الدولة او المصارف

‏مثلاً:

‏1 - تسديد الودائع الصغيرة على 10 سنوات هو عملياً اقتطاع عالٍ.

‏2 - توظيف الودائع الكبيرة على 30 سنة في صندوق كذلك هو عمليّاً اقتطاع وطبعاً أكبر.

‏3 - تغذية صندوق الودائع من المصارف ومن الدولة ومن البنك المركزي ومن استرجاع اموال وارباح غير مشروعة لزيادة قيمة تعويض المودعين خطوة جيّدة.

‏وأضاف: لكن من يتحمّل مسؤولية تحقيق ذلك؟ وما هو التعهّد تجاه المودعين وبالارقام؟ فطالما ان الدولة مع المصارف لا تلتزم بجدول تسديد واضح وعادل وتتحمل هي مسؤولية تطبيقه سيبقى هذا الإجراء مجرّد وعد غامض ويبقى العبء والانتظار على المودع لا على المسؤولين.

‏4 - أخيراً، ماذا عن المودع الذي أجبر على القبول بالاقتطاع في السنوات الماضية؟

هل فقد حقّه في باقي وديعته لأنه كان مغلوب على أمره وعفى الله عما مضى؟ ليس من العدل بشيء حق ان يتحمّل المودع الضعيف عبء تخفيف الخسارة عن المصارف. وختم افيوني قائلاً: اذاً باختصار الخطوة ايجابية وهناك مبادئ عامّة جيّدة لكن ترجمتها على المودعين لا تزال غامضة وخلاصتها اقتطاع قاسٍ تغلّفه وعود والشيطان في التفاصيل. على اي حال، الحكومة قدّمت اقتراحها وهذا اطار عمل فهل يتحمّل مجلس النوّاب مسؤوليته لتطويره وإقراره؟

إفلاس وليس أزمة سيولة

من جهته، أبدى النائب ميشال ضاهر يأساً تجاه طريقة تعامل السلطة التشريعية والتنفيذية مع عملية الاصلاح والمماطلة والهروب من الحقيقة، معتبراً ان هناك حالة نكران وعدم تقبّل للواقع من قبل المواطنين إن مودعين أو غيرهم، «ومن يقول الحقيقة حول مصير الودائع يهاجم ويحاسب، بينما من يعد ويكذب ويوهم المودعين بأن اموالهم مقدّسة هو الذي ينال قبولاً وتصفيقاً». وقال ضاهر ان هناك من لا يزال يعتقد ان لبنان يعاني من أزمة سيولة علماً ان البلاد بحالة إفلاس، مذكّراً ان مراوحة السلطة التشريعية منذ 4 سنوات قلّصت الحلول وزادت الخسائر على المودعين، لافتاً الى ان احتياطي المركزي كان يبلغ 32 مليار دولار وديون القطاع الخاص المصرفية 50 مليار دولار، وبالتالي لو تصرّف مجلس النواب بمسؤولية منذ البداية، ولو لم يتم اصدار قرارات قضائية بتسديد استحقاقات وقروض على سعر صرف الـ1500 ليرة، لكان بحوزة القطاع المصرفي 82 مليار دولار حالياً بدلاً من 9 مليارات!

فجوات غير مقبولة

في المقابل، يرى رئيس الجمعية الاقتصادية اللبنانية والخبير السابق في صندوق النقد الدولي د. منير راشد ان قانون اعادة الهيكلة المقترح يشوبه العديد من الفجوات غير المقبولة قانونياً ودستورياً، «فهو قانون هشّ وقد أعدّ كما يبدو من دون اعتبار حقوق المصارف وحقوق المودع اللبناني او الاجنبي المقيم وغير المقيم»، معتبراً انه من الافضل ان لا يُعرض على مجلس النواب في صيغته الحالية، أوّلاً لان معالجة المصارف يجب ان تكون المرحلة الاخيرة في تسلسل الاصلاح، وخاصة بعد اعادة جدولة اصول المصارف في مصرف لبنان واصولها لدى الحكومة والقطاع الخاص، حيث ان جدولة الالتزامات والاصول هي الطريق للحلّ ولتعافي المصارف.

وأوضح راشد ان الاجراءات المقترحة في القانون لا تمثل العلاج للازمة حسب تعريف الاسباب الموجبة «التي تتجلى باحتجاز اموال المودعين الذين تكبدوا خسائر كبيرة من جراء سحب ودائعهم بأسعار صرف ادنى بكثير من السعر الحقيقي». بل ان الاقتراح في مسودة القانون يزيد من الاعباء على المودع ويشطب معظم ما تبقى من ودائعه بحجة الاصلاح!

واعتبر انه يجب اعداد واقرار قانون استعادة عمل المصارف واعادة تأهيل المصارف مع اعتبار حق المودعين، لافتاً الى ان القانون المقترح حالياً تُسند فيه اعادة التأهيل او الاصلاح للفريق الذي ساهم في تعثر المصارف، وهذا اسلوب يناقض الحقوق وتراتبية المسؤوليات. كما يجب ان يبدأ الاصلاح في المصرف المركزي اولاً بالاستناد الى تخلفه عن القيام بمهماته قبل تفشي الازمة. فمن المعروف ان مصرف لبنان كانت لديه اصول اجنبية نقدية توازي 34 مليار دولار، كافية لمعالجة ازمة السيولة التي شكلت محور الازمة آنذاك.كل الودائع مؤهلة

وفيما رأى راشد ان القانون المطروح لا يهدف لحماية الودائع كأولوية وإنما الى تحميل التكلفة الى المودع، اكد ان التمييز بين ودائع مؤهلة وغير مؤهلة من خلال التمييز بين التاريخ 17-10-2019 وما بعده، يبدو عشوائياً حيث ان التحويل من والى اية عملة كان قانونياً في حينه، علماً انه من الممكن ايضاً ان كميات كبيرة من الودائع بالليرة كانت بالاساس ودائع بالدولار.

أضاف: ان التمييز بين المبالغ المحميّة لغاية 100 ألف دولار وغير المحمية هو تمييز اعتباطي وسيُقوّض الثقة بالمصارف والسلطة. هذه الاجراءات لا تؤدّي الى حلّ وإنما الى مضاعفة الازمة. بالاضافة الى ذلك، ان فكرة اعادة الاموال المحمية هي فكرة خاطئة وتتعارض مع مبدأ السيولة. وسينتج عنها اقتطاع بنحو 84% من الودائع المقدرة بـ91 مليار دولار، لان السداد سيتم خلال 10 و 15 سنة بمبالغ نقدية محدودة، علماً ان ذلك لا يراعي القيمة الحقيقية للوديعة مع مرور الوقت.

وأشار راشد الى ان السداد لهذه المبالغ نقداً من خلال الحساب الخاص هو اقتراح خاطئ، لانه مع عودة الثقة للمصارف، سيصبح استعمال الحسابات افتراضي من خلال شيكات، وبطاقات الائتمان والتحويلات الفرضية الاخرى.

وفيما أيّد إلغاء الفوائد الفائضة وليس حسمها من الودائع كونها وهمية، رأى ان السحب من الوديعة الدولارية بالليرة على سعر السوق يجب ان يكون خياراً مجازاً في اطار تحرير سعر الصرف وليس على اساس 20% من سعر صرف الليرة مقابل الدولار.

وبالنسبة لتحويل جزء من الودائع التي تفوق 500 ألف الى ادوات رأسمال، اوضح راشد انه لا يجوز ان يكون إجبارياً. كما اعتبر ان انشاء صندوق استرداد الودائع لاسترداد الودائع المؤهلة وغير مؤهلة مقابل حقوق مالية، سيبقى صندوقاً وهمياً لعقود، «لا تدعو الحاجة الى استعمال عائدات اصول الدولة لاستعادة ما تبقى من الودائع. ما نحتاجه هو اعادة السيولة والثقة وليس شطب الودائع او اعادة الودائع».

وختم ضاهر داعياً كلّ من وعد بأن الودائع مقدّسة وبحماية اموال المودعين، لايجاد حلّ لازمة الودائع اليوم.