واشنطن - حزب الله ومصاعب التطمين والضمانات: خطوط تحت الطاولة؟

تضج أخبار التفاوض أو تبادل الرسائل بين الأميركيين وحزب الله. تصدر هذه الأخبار بين فترة وأخرى، لكن مؤخراً كثر التداول بها، مذ قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إنه يتحدث مع حزب الله، وخلال استقباله رئيس الجمهورية جوزاف عون قال إنه يمكنه التحدث مع حزب الله إذا طلب منه عون ذلك. بعدها جاء تصريح المبعوث الأميركي إلى سوريا والعراق وسفير واشنطن في أنقرة توم باراك الذي قال إنه لا بد من إشراك حزب الله وإيران بالتفاوض، ليوضح بعد ذلك أن مقصده يرتبط بكيفية فرض نتائج التفاوض على الإيرانيين وحزب الله. ثم جاء موقف السفير الأميركي ميشال عيسى على مدى يومين عندما قال: "بدنا الحزب يقول شو بدو".

 

وفي اليوم التالي قال:" لازم الحزب يقدم شي، وإذا قدم شي ساعتها منحكي معه، وليس الهدف من الحديث هو شرب القهوة. كل هذه المواقف صدر نفي لها أو جرى توضيحها، على لسان المتحدث باسم الخارجية الأميركية، بالتشديد على أن أي مفاوضات يجب أن تحصل مع الدولة اللبنانية. 

 

زمن هوكشتاين

كل ذلك لا ينفي حصول التواصل، الذي يترافق مع أشد أنواع الضغوط الأميركية على إيران والحزب معاً، بما فيها مسألة تصنيف الحزب كمملوك للحرس الثوري الإيراني. بينما يبقى الهدف الأميركي الأساسي والمعلن للضغوط أو لأي تفاوض هو إنهاء سلاح الحزب وتسليمه. هنا يمكن للأميركيين أن يستخدموا أسلوب بعث الرسائل للتفاوض في موازاة الضغط الكثيف الذي يمارسونه، ففي محطات كثيرة ركز الأميركيون على ضرورة إنهاء الحزب وتفكيكه بالكامل بكل بنيته العسكرية، الأمنية، التنظيمية، المؤسساتية بما فيها المؤسسات التربوية، الصحية أو حتى التجارية والاجتماعية. أما التفاوض فقد يكون مرتبطاً بمقايضة الحزب بين سلاحه والحفاظ على وجوده وبقائه كقوة سياسية أساسية. وهذه هي القاعدة التي كان يتعاطى بها المبعوث الأميركي في عهد الرئيس جو بايدن آموس هوكشتاين، وتعاطى وفقها أيضاً في مرحلة معينة توم باراك عندما كان مكلفاً بالملف اللبناني، إذ قال في أحد تصريحاته إن حزب الله مكوَّن من لبنانيين لهم وجودهم وحيثيتهم. وتحدث حينها عن وجوب استفادة الحزب والطائفة الشيعية مما سمّاه الفرصة المتاحة لإعادة الإعمار والمشاريع الاقتصادية. 

 

أكثر من توجه

هناك أكثر من توجه في الولايات المتحدة الأميركية، بين من يعتبر أنه لا بد من التعاطي بواقعية مع إيران وحزب الله بما يتلاءم مع المصالح والأهداف الأميركية، ولكن على قاعدة التفاهم بدلاً من الصراع، مقابل من يتخذ أشرس المواقف ضدهما ويريد إسقاط النظام في إيران وإنهاء حزب الله في لبنان. ذلك أيضاً ما انعكس في اختلاف التوجهات بين نائب الرئيس جي دي فانس، ووزير الخارجية ماركو روبيو. فدي فانس هو من أكثر الذين سعوا إلى وقف النار مع إيران والوصول إلى اتفاق، بينما روبيو من أبرز معارضي هذا النهج ومن الذين يتمسكون بضرورة مواصلة الضغط إلى أقصاه. تباين فانس وروبيو انعكس في لبنان. إذ بعيد اتفاق اسلام آباد وصل إلى مسامع اللبنانيين أن فانس لا يمانع شمول لبنان باتفاق إيران، وأنه لحظة الوصول إلى اتفاق بين واشنطن وطهران فإنه سينعكس على معالجة الأزمة اللبنانية وملف حزب الله. ولكن عندها برزت اعتراضات متعددة، أولاً رفضت إسرائيل أي ربط لملف لبنان بملف إيران، وهذا كان موقف وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، فتكثف الضغط لأجل فتح مسار التفاوض المباشر بين لبنان وإسرائيل، لتثبيت فصل المسارين. بعدها ذهبت وفود لبنانية من اللوبيات الفاعلة في أميركا، وهي متناقضة في توجهاتها، للقاء كل من فانس وروبيو، وقد طلبت هذه المجموعات أن يبقى الملف اللبناني في عهدة روبيو الذي يرعى المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية بشكل شخصي ومباشر. 

 

النموذج الإيرلندي

كل ذلك لم يلغ تجارب الالتفاف وتسجيل خروقات، بمحاولات نقل رسائل بين الأميركيين وكل من إيران وحزب الله. وهنا لا يمكن إغفال طرح جهات عديدة نفسها للعب دور بين الجانبين، وسط معلومات عن أن جهات إقليمية ودولية سعت إلى ذلك، كما أن هناك محاولات جرت مع توم باراك نفسه. في السياق أيضاً، دول كثيرة تقدم طروحات ورؤى حول كيفية التعاطي مع ملف سلاح حزب الله ومعالجته، على قاعدة تجميد السلاح واحتوائه قبل الوصول إلى لحظة سحبه. هنا لا بد من التذكير بالمبادرة المصرية التي نصت على تجميد السلاح واحتوائه، وكذلك استحضار نموذج الجيش الجمهوري الإيرلندي، علماً أن تجدد الحديث عن التفاوض أو تبادل الرسائل بين الأميركيين والحزب تزامن مع الزيارة التي أجراها الشهر الفائت إلى بيروت مستشار الأمن القومي البريطاني الى بيروت جوناثان باول، الذي عقد لقاءات مع الرؤساء والمسؤولين وعرض معهم سبل معالجة الأزمة والخروج منها. وفي الزيارة، تجدد النقاش حول النموذج الإيرلندي. 

 

نفي مزدوج 

حزب الله، وعلى الرغم من كلام القيادي فيه محمود قماطي عن دراسة احتمال التفاوض مع الأميركيين، عاد ونفى ذلك. وقبله، سئل النائب حسن فضل الله عن الموضوع فقال: "لا أؤكد ولا أنفي". عملياً ينفي حزب الله حصول أي تواصل رسمي مع الأميركيين، تماماً كما يفعل الأميركيون، لكن المؤكد أن هناك رسائل متبادلة وتفاوض عبر قنوات عدة. فلا واشنطن جاهزة للإعلان الآن عن أي تفاوض لأنه أولاً يتعارض مع السياسة التي تعلنها، وثانياً سيوجه ضربة قوية للدولة اللبنانية التي اختارت مسار التفاوض المباشر مع إسرائيل لفصله مسار لبنان عن مسار إيران. كما أن الحزب لن يكون جاهزاً لذلك، فأولاً من الناحية المبدئية، وثانياً من الناحية الواقعية التي تحتاج إلى بلورة مسار التطورات بين واشنطن وطهران. فالحزب سيحاذر الذهاب إلى أي تفاوض مع الأميركيين في ظل احتمال تجدد الحرب الأميركية على إيران. 

 

أهداف كبيرة

التفاوض حتى وإن حصل، فسيكون هدفه تغيير كل الوقائع في لبنان، لأن عنوانه الأول بالنسبة إلى واشنطن هو إنهاء سلاح حزب الله أو إنهاء الحزب كمقاومة مع فتح الباب له ليتخلى عن عمله المقاوم والدخول في مسار العمل السياسي كالأحزاب الأخرى، إلى جانب تفكيك بنيته الأمنية والعسكرية وعدم إعادة بناء قدراته. في المقابل، لحزب الله مطالب واضحة، أولها البحث عن ضمانات سياسية وعسكرية واقتصادية من الأميركيين تتعلق بعدم قيام إسرائيل بأي عملية عسكرية في الجنوب، والانسحاب الإسرائيلي الكامل وإعادة الإعمار، وأن أي صيغة تتعلق بالسلاح يفترض البحث بها بعد إنجاز الانسحاب الإسرائيلي. قد لا يفضي هذا المسار إلى نتيجة، وقد يتعثر أو يتعطل، وقد لا يكون هناك أي خيار إلا التصعيد العسكري الذي تفضله إسرائيل، لكن أميركا تضغط لعدم حصول الانفجار، في علي الطاهر أو أي منطقة أخرى.