وفد أميركي عسكري يزور تل أبيب وبيروت.. والجيش يردّ بالوثائق

وصل الوفد العسكري الأميركي إلى بيروت آتياً من إسرائيل، حاملاً خلاصة ثلاثة أيام من الاجتماعات مع المسؤولين العسكريين الإسرائيليين، قبل أن يطلق سلسلة إجتماعات مكوكية في اليرزة، خُصصت لبحث الخطوات التنفيذية للترتيبات المتفق عليها، بدءاً من تثبيت وقف إطلاق النار وصولاً إلى إطلاق العمل في المناطق التجريبية أو النموذجية في الجنوب.


في معلومات خاصة لـِ "المدن" مستقاة من مصادر عسكرية، عقد الوفد الأميركي اجتماعات موسعة مع قائد الجيش العماد رودولف هيكل، ومدير العمليات العميد الركن جورج رزق الله، ومدير المخابرات العميد الركن طوني قهوجي، وتركز البحث على آليات التنفيذ الميداني والعوائق التي تحول دون انتقال الخطة من مرحلة التفاهمات إلى التطبيق العملي.
الوفد الأميركي العسكري هو نفسه الذي كان قد ترأس الاجتماع العسكري اللبناني الإسرائيلي في البنتاغون، وزيارته تأتي في إطار البحث في الترتيبات الأمنية والعسكرية المتعلقة بوقف إطلاق النار والمناطق النموذجية.
وكان الوفد استمع إلى وجهة النظر الإسرائيلية، قبل أن يصل إلى بيروت ناقلاً إلى قيادة الجيش ما سمعه من المسؤولين الإسرائيليين، ومستمعاً في المقابل إلى الموقف اللبناني وإلى مطالب المؤسسة العسكرية.

 

إسرائيل تبرّر خروقها
وقد علمت "المدن" أن الوفد الأميركي نقل إلى الجانب اللبناني ادعاء إسرائيل بأنها تنفذ ما هو مطلوب منها ضمن الخطة، في حين أن لبنان لا يلتزم، وفق الرواية الإسرائيلية، ببنود اتفاق الاطار وبالإجراءات المفترض اتخاذها على الأرض.
كما بررت إسرائيل الخروق والاعتداءات التي لا يزال ينفذها جيشها في الجنوب بذريعة الحفاظ على أمن مستوطنات الشمال ومنع إعادة بناء القدرات العسكرية لحزب الله.
إلا أن الجيش اللبناني، وبحسب ما كشفت المصادر العسكرية لـِ "المدن"، وضع أمام الوفد الأميركي مقاربة مختلفة، مدعمة بالوقائع والوثائق والأرقام، وشرح بالتفصيل طبيعة الخروق الإسرائيلية وحجمها، إضافة إلى كل ما يعيق تنفيذ الخطة ويحول دون انتقال الجيش إلى العمل الكامل في المناطق المحددة.
وأبلغ الجيش الوفد الأميركي أنه أصبح  في الجهوزية المطلوبة لتنفيذ خطته، بدءاً من المرحلة الأولى في المناطق التجريبية أو النموذجية، وأنه أعد جملة من الخطوات العملية والسيناريوهات الميدانية لمختلف الاحتمالات.
وتشير المصادر العسكرية إلى أن الجيش استبق كل ما يمكن أن يُطلب منه، ووضع خططاً تفصيلية للتحرك، سواء لجهة الانتشار أو المسح أو تثبيت سلطة الدولة في المناطق التي سيبدأ منها التنفيذ.
كل هذه الجهوزية تبقى ترجمتها في الميدان رهن قرار سياسي واضح يصدر عن مجلس الوزراء في هذا الإطار، إذ إن الجيش ينفذ قرارات السلطة السياسية ولا يحل محلها في اتخاذ الخيارات السيادية.

 

لقاء هيكل عون 
بعد الاجتماعات التي عُقدت في وزارة الدفاع، أطلع قائد الجيش العماد رودولف هيكل رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون على تفاصيل المباحثات مع الوفد الأميركي، وعلى المواقف الإسرائيلية التي نُقلت إلى لبنان، إضافة إلى الردود التي قدمتها قيادة الجيش والوثائق التي أبرزتها لإثبات جهوزيتها وتحديد مسؤولية إسرائيل عن عرقلة التنفيذ.
كما وضع هيكل عون في أجواء ما عرضه الجيش من مطالب، وما أعده من خطوات عملية تسمح ببدء العمل فور توافر القرار السياسي والظروف الميدانية المناسبة.
وبحسب المعلومات، لن يغادر الوفد الأميركي بيروت فوراً، بل سيستكمل لقاءاته، في محاولة لتقريب وجهات النظر وتحديد ما إذا كانت الظروف باتت ناضجة للانتقال إلى المرحلة التنفيذية في المناطق النموذجية.
ويأتي هذا الحراك الأمريكي بالتوازي مع التحضير لاجتماع روما في إطار المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية، ما يرفع مستوى الضغط للانتقال من مرحلة إعداد الخطط إلى مرحلة التطبيق.
لكن أجواء رئاسة الجمهورية تشير إلى أن لبنان لا يمكن أن يذهب إلى أي مرحلة تنفيذية جديدة كأن الخروق الإسرائيلية غير موجودة، أو كأن الاتفاق يفرض التزامات على جانب واحد، فيما تواصل إسرائيل اعتداءاتها وتحتفظ بحرية التحرك العسكري داخل الأراضي اللبنانية.

 

لا للتسليم بالأمر الواقع الإسرائيلي
ينطلق موقف رئيس الجمهورية من التمسك بالمفاوضات باعتبارها الطريق الواقعي لمعالجة النزاع واستعادة الأرض وتثبيت الاستقرار، لكن من دون تحويلها إلى غطاء يسمح لإسرائيل بإطالة أمد احتلالها أو مواصلة اعتداءاتها. ويرى عون، وفق الأجواء المنقولة عنه، أن نجاح أي مسار تفاوضي يتطلب التزاماً متبادلاً، وأن على إسرائيل أن تثبت جديتها من خلال وقف الخروق والاعتداءات والانسحاب من الأراضي اللبنانية التي لا تزال تحتلها. كما يعتبر أن تذرع إسرائيل بأمنها لا يمنحها حق التصرف داخل لبنان، ولا يبرر الضربات والاغتيالات والعمليات العسكرية التي تقوض سلطة الدولة وتعرقل مهمة الجيش.
ومن هنا، تصر بعبدا على مطالبة الجانب الأميركي بعدم الاكتفاء بنقل الرسائل بين بيروت وتل أبيب، بل بالضغط على إسرائيل للالتزام بما تم الاتفاق عليه. فالرئيس عون يدرك أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب هو الطرف الأكثر قدرة على فرض موقف حاسم على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في حين لا تظهر حتى الآن مؤشرات كافية إلى أن واشنطن ستستخدم هذا النفوذ لوقف الاعتداءات الإسرائيلية.
في المقابل، لا تعفي مقاربة رئيس الجمهورية حزب الله من مسؤوليته، إذ تعتبر أجواء بعبدا أن استمرار الحزب في عدم التعاون في ملف تسليم السلاح، وعدم قبوله الكامل بالمسار التفاوضي الذي تقوده الدولة، يضعف الموقف اللبناني ويوفر لإسرائيل الذرائع لمواصلة اعتداءاتها.
لكن رئيس الجمهورية لا يعتقد أن العمل العسكري الإسرائيلي قادر على إنهاء حزب الله أو معالجة قضية سلاحه، بل يرى أن الحل يجب أن يتم من خلال اتفاق وتفاهم داخلي وقرار سياسي واضح، تتولى المؤسسة العسكرية تنفيذه وفق خطة مدروسة.

 

وسيط بلا حسم
تكشف اجتماعات وزارة الدفاع أن الوفد الأميركي يؤدي حتى الآن دور ناقل الرسائل بين إسرائيل ولبنان، بعدما إستمع إلى الجانب الإسرائيلي ونقل روايته إلى الجيش، قبل أن يتلقى الرد اللبناني المدعم بالوقائع والوثائق. إلا أن جولاته بين الطرفين لم تتحول بعد إلى ضغط حاسم على إسرائيل، وهذا ما يثير تساؤلات في بيروت حول مدى استعداد الولايات المتحدة للانتقال من إدارة الخلاف إلى فرض تنفيذ الالتزامات.
وعليه، تشكل زيارة الوفد الأميركي إختباراً جدياً لما قبل اجتماع روما: إما أن تتحول الحركة الأميركية إلى مسار تنفيذي يبدأ بخطوات إسرائيلية ملموسة ويترافق مع قرار لبناني يسمح للجيش بالتحرك، وإما أن يبقى الوفد متنقلاً بين الطرفين، فيما تستمر الخروق ويظل الجيش جاهزاً على الورق ومكبلاً في الميدان.