وقائع وقف النار: قطَر والتحضير لليوم التالي

على مسارات عديدة، تُخاض اتصالات ومساع لتثبيت وقف اطلاق النار في لبنان، وللبحث في كيفية الانسحاب وما بعده وفي ترتيبات سياسية شاملة للمرحلة المقبلة أو لما أصبح يُعرف باليوم التالي. في كل هذه المسارات، تشكل دولة قطر نقطة تقاطع مركزية، أولاً على إيقاع التفاوض الأميركي الإيراني ومسار باكستان، وثانياً على خط التفاوض اللبناني الإسرائيلي من خلال مساعدة لبنان مع الأميركيين، وثالثاً على خط التقاطع الإقليمي والتنسيق مع باكستان، تركيا، مصر، السعودية وفرنسا، لأجل تشكيل مظلة توفر ليس فقط وقف النار والانسحاب، بل الحفاظ على وحدة الأراضي اللبنانية وسيادتها، وإنجاز ترتيبات تتعلق بحلول سياسية واقتصادية وإعادة الإعمار. 

 

اتصالات وقف النار

تكثفت خلال الساعات الماضية الاتصالات والمساعي لأجل تثبيت وقف إطلاق النار. ليل الخميس، عُقد اجتماع في عين التينة بين مسؤولين في حزب الله ومسؤولين من حركة أمل مقربين من الرئيس نبيه بري. كان الاجتماع مخصصاً للبحث في كيفية تثبيت وقف النار والتزام حزب الله به، بشرط أن توافق إسرائيل على ذلك. خلال الاجتماع كان الاتصال مفتوحاً مع القطريين، الأميركيين والإيرانيين. كانت قطر تعمل مع الأميركيين لأجل الضغط على إسرائيل وإلزامها بوقف النار، بينما إيران أبلغت الأميركيين بأن وفدها لن يشارك في مفاوضات سويسرا قبل وقف العمليات العسكرية ضد حزب الله في جنوب لبنان. طلب الأميركيون من حزب الله موقفاً يعلن فيه التزامه أيضاً بوقف النار، عندها طلب حزب الله وحركة أمل صدور موقف أميركي يعلن بوضوح التزاماً أميركياً بإلزام إسرائيل بوقف النار، فجاء موقف الرئيس دونالد ترامب ونائبه جي دي فانس، بعدها أصدر بري بيانه الذي أشار فيه إلى أن حزب الله يوافق على وقف النار بشرط التزام إسرائيل الكامل والشامل له. 

 

محاولات إسرائيل لعرقلة الاتّفاق

على هذا الأساس انتهى الاجتماع، بانتظار الإعلان الأميركي عن وقف النار، ولكن بعدها، وخلال ساعات الليل، باشر الإسرائيليون هجوماً برياً جديداً للتقدم باتجاه تلة علي الطاهر والسيطرة عليها. بحسب التقييمات، فإن نتنياهو كان يسعى إلى السيطرة على علي الطاهر، ويدفع حزب الله إلى تنفيذ عمليات عسكرية رداً على ذلك، ما يؤدي إلى إجهاض مسار التفاوض الإيراني الأميركي. لكن حزب الله كان قد تجهّز لمثل هذا الاحتمال ونفّذ عملية قوية ضد القوات الإسرائيلية أدت إلى تكبدها خسائر كبيرة ومنعها من التقدم باتجاه علي الطاهر، أي أن خطة نتنياهو فشلت. فلجأ إلى التصعيد الكبير لعله يفشل الاتفاق، لكن الاتصالات استمرت في سبيل تثبيت وقف النار. خلال النهار حصلت اتصالات مع الاميركيين لإجبار إسرائيل على وقف عملياتها، فطلب لبنان مجدداً موقفاً أميركياً جاء على لسان ترامب في تصريح لاكسيوس بأنه سيتمكن من إجبار إسرائيل على وقف ضرباتها في لبنان، وبناء عليه أبلغ القطريون بري دخول وقف النار حيز التنفيذ عند الساعة الرابعة عصراً. 

 

ماذا عن الانسحاب؟

لا تزال الشكوك قائمة بلجوء نتنياهو إلى إفشال الاتفاق، ومواصلة عملياته العسكرية، خصوصاً أنه يسعى لإقناع الأميركيين بالحفاظ على حرية الحركة ومواصلة تنفيذ عمليات داخل الخط الأصفر، وهذا ما يرفضه حزب الله وكل الوسطاء. هناك تشكيك دولي أيضاً في أن يلتزم نتنياهو، خصوصاً أنه على أبواب انتخابات. في موازاة هذا المسار، يفترض أن يفتح مسار ثان، يتعلق بكيفية البحث في الانسحاب الإسرائيلي. فإيران تعتبر أن هذا الأمر سيكون عرضة للتفاوض على مدى ستين يوماً وهي مهلة التفاوض حول الاتفاق النووي مع الأميركيين، وأن لبنان سيكون مشمولاً بهذه المفاوضات، علماً أن قطر ستلعب دوراً أساسياً في التفاوض بين طهران وواشنطن، كما ستواصل العمل على التفاوض بشأن الملف اللبناني وتأمين الانسحاب الإسرائيلي، وصولاً إلى طرح خطة كاملة حول الانسحاب، ودخول الجيش وبسط سلطته الكاملة على الأراضي اللبنانية، وحصر السلاح بيد الدولة أو اعتماد مبدأ احتواء السلاح، وبعدها البحث في كيفية إدارة الوضع في الجنوب، وإعادة الإعمار. وبينما يريد الإسرائيلي الاحتفاظ بمنطقة آمنة، هناك رفض مطلق لأن تكون منطقة عازلة كما يريدها الإسرائيليون، بل ستكون منطقة آمنة وخالية من السلاح وتحت إشراف قوات دولية بدأ البحث في كيفية تشكيلها.

 

هذا المسار لا ينفصل عن مسار التفاوض اللبناني الإسرائيلي برعاية أميركية، حيث سيشدد لبنان في الجولة الخامسة على ضرورة وقف النار بالكامل، وبدء البحث بالانسحاب. في هذه الجولة يريد الأميركيون الخروج بإعلان نوايا يرسم ملامح المرحلة المقبلة، بما فيها إنهاء حالة العداء بين لبنان وإسرائيل، وقف العمليات العسكرية بالكامل، ووضع إطار حول كيفية ضبط الوضع في الجنوب وسحب السلاح وحصره بيد الدولة. 

 

المناطق التجريبية

في هذه المفاوضات يصرّ الأميركيون على المناطق التجريبية، بينما النقاش يتركز حول ماهية هذه المناطق، فهل تكون منطقة قلعة الشقيف، أرنون، يحمر، زوطر الشرقية وزوطر الغربية، أم الطرح الذي قدمه رئيس مجلس النواب نبيه بري وهو اعتماد الانسحاب من الأقضية، وأن يبدأ الانسحاب من قضاء النبطية وبعدها الانسحاب من قضاء صور، وفيما بعد مرجعيون وبنت جبيل. ولكن النقطة العالقة هنا تبقى كيفية الانسحاب ودخول الجيش وكيفية سحب السلاح، خصوصاً أن الحزب يرفض مبدأ سحب السلاح إلا بعد الانسحاب الكامل وضمن استراتيجية دفاعية تعتمد مبدأ احتواء السلاح. وهو ما ستعمل عليه جهات دولية عديدة، بينها قطر، ومصر وفرنسا التي سيزور وزير خارجيتها الدوحة في إطار دعم المساعي القطرية لحماية لبنان، وهو الملف الذي سيكون حاضراً في الاجتماع الرباعي الذي سيعقد في القاهرة بين وزراء خارجية مصر، السعودية، باكستان وتركيا.