المصدر: نداء الوطن
الكاتب: جان الفغالي
الجمعة 24 نيسان 2026 07:43:28
حين يُقال إن "حزب الله" هو أحد أذرع إيران في المنطقة، فإن الصورة لا تكتمل إلا إذا نظرنا داخل لبنان، حيث بات لهذه "الذراع" أذرعٌ أخرى: سياسية وإعلامية، تعمل بتكامل، وتتحرك وفق إيقاع واحد، حتى وإن بدت في الظاهر متعددة الوجوه. هذه الأذرع لا تكتفي بتبرير قرارات "الحزب" أو الدفاع عنه، بل تتقدم أحيانًا الصفوف لتصنع واقعًا سياسيًا موازيًا، أو لتفرض سردية تتناقض مع الحقائق على الأرض.
مع كل محطة مفصلية، يتكرر المشهد ذاته. يخرج السياسيون المرتبطون بهذا النهج ليعلنوا "الانتصار"، حتى عندما تكون الوقائع أبعد ما تكون عن ذلك. ومع كل وقفٍ لإطلاق النار، ترتفع نبرة الاحتفال، وكأن "الحزب" خرج منتصرًا، لا من جولةٍ مدمرة جديدة تُضاف إلى سجل الانهيارات. هؤلاء أنفسهم يطلّون سريعًا للحديث عن تشكيل الحكومات، وتوزيع الحقائب، واستعادة "التوازنات"، وكأن شيئًا لم يحصل.
لكن ما يغيب، أو يُغَيَّب عمدًا، هو التحول العميق الذي أصاب البيئة الإقليمية التي كانت تسمح لهذا النهج بالتمدد.
لقد تغيّرت المعادلات. لم يعد ممكنًا إعادة إنتاج مشاهد الثمانينات، ولا استنساخ تجارب مثل "جبهة الخلاص الوطني". الزمن الذي كان يسمح بتشكيل جبهات على قياس أنظمة إقليمية، أو بفرض توازنات داخلية بقوة السلاح أو الوصاية، قد ولّى. ومع ذلك، لا يزال هناك من يتصرف وكأن عقارب الساعة متوقفة.
الأذرع السياسية لهذا النهج تعيش على وهم القدرة على إعادة إنتاج السلطة بذات الأدوات. تتحدث بلغة الغلبة، وتسعى إلى تثبيت معادلة واحدة: أن يكون القرار السيادي للبنان مرتبطًا بمحور خارجي. وهذه ليست مجرد قراءة تحليلية، بل واقعٌ انعكس في تعطيل الاستحقاقات، وفي رهن تشكيل الحكومات، وفي تحويل المؤسسات إلى أدوات تفاوض.
أما الأذرع الإعلامية، فتلعب دورًا لا يقل خطورة. فهي لا تكتفي بتلميع الصورة، بل تعمل على إعادة تعريف الهزيمة لتصبح "صمودًا"، والانكفاء ليصبح "إعادة تموضع"، والخسارة لتصبح "نصرًا إلهيًا". هذا الخطاب لا يخاطب العقل بقدر ما يستهدف العاطفة، ويعتمد على تعبئة مستمرة تمنع أي مراجعة جدية أو نقد ذاتي.
يبدو أن بعض القوى في لبنان لا تزال تعيش في مرحلة إنكار. فهي تتصرف وكأن "الخط" لا يزال متماسكًا، وكأن الظروف الدولية والإقليمية لم تتغير.
اللبنانيون، رغم انقساماتهم، باتوا أكثر إدراكًا لكلفة الارتهان، وأكثر حساسية تجاه أي محاولة لإعادة إنتاج الوصاية.
إن المشكلة الأساسية في هذا النهج ليست فقط في ارتباطه الخارجي، بل في عجزه عن تقديم مشروع وطني جامع. فهو يقوم على فكرة الغلبة أو المحاصصة، لا على بناء دولة.
المطلوب كسر حلقة الأذرع، بمعنى أن يتوقف "الذراع" عن إنتاج أذرع جديدة، وأن يعود القرار إلى مكانه الطبيعي، أي داخل الدولة.
قد يراهن البعض على الوقت، وعلى إمكان تبدل الظروف مجددًا. لكن الرهان على الزمن وحده لم يعد كافيًا. فـ "زمان الأول تحوَّل" ليس فقط لأن اللاعبين تغيّروا، بل لأن قواعد اللعبة نفسها تبدّلت.
لبنان اليوم أمام مفترق طرق حقيقي: إما الاستمرار في الدوران داخل الحلقة نفسها، حيث الأذرع تتكاثر والقرار يتبدد، أو الانتقال إلى مرحلة جديدة تُبنى فيها الدولة على أسس مختلفة. وما لم يحدث هذا التحول، ستبقى كل "انتصارات" الخطاب مجرد عناوين فارغة، لا تصمد أمام اختبار الواقع.