المصدر: إرم نيوز
الاثنين 5 تشرين الأول 2026 18:24:03
لم تكن زيارة القيادي في الحرس الثوري الإيراني حسين يكتا إلى لبنان جولة فردية أو مجرد ظهور استفزازي على ضفاف نهر الليطاني، بل جزءاً من مهمة أوسع لوفد إيراني رفيع أُرسل بتوجيه ورعاية مباشرة من المرشد الأعلى مجتبى خامنئي، في توقيت يتولى فيه الحرس إعادة بناء البنية العسكرية والتنظيمية لحزب الله، وفق معلومات خاصة حصل عليها "إرم نيوز" من مصادر لبنانية متقاطعة.
وتكشف المعلومات أن اختيار أعضاء الوفد ارتبط بطبيعة المهمة؛ إذ رافق يكتا رجل الدين المتشدد علي رضا بناهيان، وهما من الشخصيات القديمة المقربة من خامنئي، وسبق أن خدما معه في الكتيبة ذاتها خلال الحرب العراقية الإيرانية.
وضمّ الوفد كذلك شخصيات إيرانية تعمل في الإعلام والتعبئة الدينية والاجتماعية، بينها المنشد سعيد حداديان، والمسؤول والإعلامي السابق وحيد يامين بور، والإعلاميتان راحلة أمينيان وجيلا صادقي، ولاعب كرة القدم السابق بهنام أبو القاسم بور، وفق ما كشفته وسائل إعلام إيرانية.
ويقول مصدر أمني لبناني، لـ"إرم نيوز"، إن تركيبة الوفد تكشف جانباً أساسياً من مهمته التي تتمثل بإعادة شحن البيئة العقائدية والمعنوية للحزب بالتوازي مع عملية إعادة هيكلته العسكرية التي يشرف عليها الحرس الثوري.
ويكتسب ارتباط يكتا وبناهيان بمجتبى خامنئي أهمية خاصة، إذ إنهما لا يمثلان جهازاً إيرانياً بيروقراطياً فحسب، وإنما ينتميان إلى دائرة قديمة تربطها بالمرشد الجديد علاقات تعود إلى سنوات الحرب مع العراق.
وتؤكد تقارير حديثة أن الرجلين خدما في الكتيبة نفسها التي خدم فيها خامنئي، فيما يُعرف يكتا تحديداً بأدواره في التجنيد والتعبئة العقائدية داخل الحرس الثوري، إضافة إلى نشاطه في ملفات الأمن الداخلي الإيراني.
وبحسب المصدر الأهلي اللبناني القريب من دوائر حزب الله، حمل الوفد الإيراني خلال جولته رسائل وهدايا باسم المرشد الإيراني إلى عائلات قتلى حزب الله، وزار شخصيات وعائلات مرتبطة بالحزب، بينها عائلة الأمين العام السابق لحزب الله حسن نصرالله.
وكان خامنئي نفسه قد تعهد في تموز/ يوليو الماضي بمواصلة دعم حزب الله، ووصف الدفاع عنه بأنه "مهمة استراتيجية" بالنسبة لإيران.
إعادة بناء المقاتل
من جهته، يقول المصدر الأمني، إن مهمة يكتا تركز بصورة خاصة على الجانب العقائدي والمعنوي داخل صفوف الحزب؛ فالرجل ليس قائداً ميدانياً تقليدياً أرسل لإدارة منصات الصواريخ، وإنما أحد أبرز العاملين منذ سنوات في منظومة التعبئة الأيديولوجية الإيرانية و"الحرب الناعمة"، وارتبط اسمه ببرامج استعادة رواية الحرب العراقية الإيرانية واستخدامها في تجنيد الأجيال الجديدة وشحنها عقائدياً.
وتأتي المهمة في وقت يعمل فيه الحرس الثوري، وفق المعلومات، على إعادة تشكيل البنية العسكرية لحزب الله، بالانتقال تدريجياً من النموذج الهرمي شديد المركزية، الذي سمح لإسرائيل بإحداث خسائر كبيرة عبر اغتيال القيادات، إلى وحدات أصغر وأكثر استقلالية وأقل اعتماداً على سلسلة قيادة طويلة.
وتتقاطع هذه المعلومات مع تقديرات حديثة ترى أن طهران باتت تعطي الأولوية لبناء حزب أكثر قدرة على النجاة والاستمرار، بدلاً من مجرد إعادة إنتاج هيكله السابق. كما لفتت تحليلات إلى دلالة إرسال شخصيات متخصصة بالتجنيد والتلقين في اللحظة التي يعاني فيها الحزب نقصاً في القيادات ذات الخبرة وضغطاً داخل بيئته الجنوبية.
من الضريح إلى الليطاني
وتكشف خريطة تحركات الوفد طبيعة الرسالة أيضاً؛ فوفقًا لمعلومات متقاطعة من المصدرين الأمني والأهلي، شملت الجولة التي قام بها الوفد البيئة المرتبطة بحزب الله وعائلات قتلاه ومواقع في الجنوب، قبل أن يظهر يكتا على ضفاف الليطاني ويتوضأ من مياهه، معلناً أنه "كما وصل الإيرانيون إلى دجلة وكربلاء وشاهدوا نهاية صدام حسين، فإنه يتوضأ اليوم أمام الإسرائيليين وسينتهي المسار بالصلاة في القدس".
ولا تبدو رمزية المكان منفصلة عن توقيت الزيارة؛ فالليطاني أصبح مركز الصراع على مستقبل سلاح حزب الله، فيما تتعرض الدولة اللبنانية لضغوط لبسط سلطتها جنوباً وتطبيق الترتيبات الأمنية الجديدة.
ولهذا أثار ظهور ضابط في الحرس الثوري هناك أسئلة لبنانية عن كيفية دخوله البلاد ووصوله إلى منطقة بهذه الحساسية، خصوصاً مع القيود الجديدة المفروضة على دخول الإيرانيين.
رسالة تتجاوز يكتا
وفي قراءة مباشرة للزيارة، يرى الباحث العسكري والاستراتيجي محمد يوسف النور أن ظهور حسين يكتا على الليطاني يضع الدولة أمام تحدٍّ يتجاوز مضمون تصريحاته، لأنه يأتي بينما تحاول السلطات تثبيت سيادتها وحصرية القرار الأمني.
ويشير النور إلى أن الرسالة الإيرانية تكتسب خطورتها من المكان والتوقيت، إذ يظهر مسؤول في الحرس الثوري في الجنوب بينما تخوض الدولة مواجهة سياسية ودبلوماسية لإثبات قدرتها على فرض سلطتها.
وتكتسب الزيارة، وفق قوله، دلالة إضافية في ظل التوتر السياسي المتكرر بين بيروت وطهران بشأن حدود الدور الإيراني في لبنان، بعدما شدد الرئيس جوزيف عون في أكثر من مناسبة أمام مسؤولين إيرانيين على رفض التدخل في القرارات الداخلية اللبنانية، ولا سيما ما يتصل بالسيادة وحصرية السلاح بيد الدولة.
ومن هنا، يصبح ظهور شخصية مرتبطة بالحرس الثوري على ضفاف الليطاني، في ذروة النقاش حول حصر السلاح وانتشار الجيش، رسالة تتجاوز مضمون الفيديو نفسه إلى سؤال أوسع حول استمرار الحضور الإيراني داخل المجال الذي تسعى الدولة اللبنانية إلى إخضاعه لسلطتها.