المصدر: إرم نيوز
الكاتب: مالك الحافظ
الخميس 19 آذار 2026 19:47:43
تتقدم العمليات الإسرائيلية في جنوب لبنان ضمن مقاربة تتجاوز إدارة الاشتباك إلى تشكيل بيئة تفاوضية مسبقة، حيث يجري توظيف الجغرافيا كأداة ضغط سياسي، في الوقت الذي يعيد فيه استهداف الجسور على نهر الليطاني توزيع المجال الحيوي للجنوب ويفكك ترابطه الداخلي؛ ما يؤدي إلى إنتاج واقع ميداني يؤثر في شروط أي مسار تفاوضي لاحق.
هذا النمط من الاستهداف ينعكس على قدرة حزب الله في إدارة انتشاره عبر شبكة مترابطة، ويدفع نحو إعادة توزيع تموضعه ضمن نطاقات أكثر تحديدًا، في سياق يتقاطع مع طرح دبلوماسي يتناول ترتيبات جنوب الليطاني في إطار تفاوضي أوسع.
هنا تُستخدم القوة بهدف إنتاج حيز جغرافي قابل للضبط، تُعاد فيه صياغة العلاقة بين القرى والطرق ومحاور الإمداد.
وهذا النمط من العمل يوازيه استهداف مدروس للبنية التحتية، بما يحول الجغرافيا من مساحة مفتوحة إلى شبكة مفككة؛ ما يضعف قدرتها على توليد ترابط ميداني مستمر، ويجعل أي انتشار عسكري لاحق محكومًا بممرات محددة يمكن مراقبتها والتحكم بها.
توسيع بنك الأهداف وتثبيت مواقع ميدانية
إعلان وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، يوم أمس، تدمير جسور إضافية فوق الليطاني يندرج في إطار توسيع بنك الأهداف باتجاه العقد اللوجستية، مع التركيز على معابر الحركة التي تربط القرى الواقعة جنوب النهر بشماله.
توسيع بنك الأهداف بهذا الشكل يعيد تشكيل أنماط الحركة داخل المنطقة ويؤثر على ديناميات الانتشار الميداني؛ ما يسهم في ضبط المجال العملياتي ضمن نطاق قابل للإدارة. البيان الرسمي ربط الاستهداف بمنع استخدام المعابر في الحركة داخل المنطقة، مع تأكيد استمرار الضربات وتحذير السكان من الاقتراب من محيط الجسور.
تزامن ذلك مع توسّع الضربات لتشمل منشآت مدنية ذات وظيفة لوجستية، من بينها محطات وقود ومرافق تخزين، في مسار استهداف يطال البنية التي تقوم عليها حركة التنقل والإمداد داخل الجنوب.
التقدم البري المحدود الذي بدأ منذ السادس عشر من الشهر الجاري يعكس نمط عمل قائم على تثبيت نقاط تحكم موضعية تُستخدم لضبط المجال الحدودي وتحديد مسارات الحركة، مع إبقاء العمليات ضمن نطاق يسمح بالتحكم بالإيقاع وفق تطورات الميدان أو المسار الدبلوماسي، في بيئة قابلة للتعديل السريع.
الضغط على بيروت وتثبيت شروط التفاوض
الضربات التي طالت الضاحية الجنوبية ومحيطها، يوم أمس، وامتدت إلى مناطق قريبة من وسط بيروت تتقاطع مع المسار الميداني في الجنوب، في مسار يربط المجالين الجغرافي والسياسي، حيث تنتقل آثار العمليات إلى مركز القرار.
يتخذ المسار السياسي بعدًا تصاعديًّا عبر نقل ثقل العمليات تدريجيًّا من الأطراف إلى المركز، فالضربات التي تقترب من بيروت تُعتبر كأداة لإعادة توجيه الضغط نحو بنية القرار نفسها، ما يعكس إدراكًا بأن التوازنات لا تُحسم بالكامل في الجنوب، إنما في قدرة الدولة اللبنانية على امتصاص الضغط أو إعادة تموضعها تحت تأثيره.
وعليه، يصبح استهداف المجال الحضري للعاصمة جزءًا من معادلة أوسع تهدف إلى ربط الإيقاع الميداني بمسار القرار السياسي، بحيث لا يبقى الصراع محصورًا في نطاق جغرافي محدود.
ضمن هذا التداخل بين الميدان والسياسة، يبرز المسار الدبلوماسي كمحاولة لتنظيم مخرجات الضغط ضمن إطار تفاوضي قابل للتداول. التحرك الفرنسي يتقاطع مع واقع ميداني يتشكل بوتيرة متسارعة، ويسعى إلى تحويله إلى قاعدة انطلاق لمسار تفاوضي محدد المعالم. فما يُطرح يقترب من تصور متكامل لإعادة ترتيب الجنوب، بحيث تُترجم الوقائع التي فُرضت على الأرض إلى بنود قابلة للإدراج ضمن اتفاق أوسع.
ويستند التحرك الفرنسي إلى خطة مطروحة خلال الأيام الماضية، تتضمن إعادة انتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني، وتفعيل آلية رقابة دولية، وفتح مسار تفاوضي يتناول الوضع الحدودي وملف السلاح. زيارة وزير الخارجية الفرنسي إلى بيروت وتل أبيب تركز على تثبيت هذه البنود كإطار عمل قابل للنقاش.
في هذا السياق، يتحرك الدور الفرنسي عبر مستويات متداخلة تعكس طبيعة المرحلة؛ إذ يجري العمل على بلورة إطار تفاوضي جاهز نسبيًّا باعتباره تصورًا شبه مكتمل يسعى إلى إدخال الأطراف ضمن شروط محددة مسبقًا. كما يظهر توجه نحو منع انزلاق العمليات إلى نمط احتلال طويل عبر احتواء التوغل البري ضمن سقف سياسي يمكن التحكم به، بما يحافظ على قابلية الحل ويحدّ من تعقيده ميدانيًّا.
المعطيات الميدانية الممتدة من الناقورة إلى مرجعيون، مرورًا ببنت جبيل ويارون والطيبة، تشير إلى تشكّل بيئة ميدانية جديدة تتسم بإعادة تنظيم الحركة وتقييد الترابط بين المناطق. هذا الواقع يدخل مباشرة في أي نقاش حول ترتيبات جنوب الليطاني ويحدد طبيعة الملفات التي ستُطرح في أي مسار تفاوضي مقبل.