المصدر: النهار
الكاتب: سلوى بعلبكي
الأربعاء 18 شباط 2026 08:18:57
أما وقد أقر مجلس الوزراء فرض رسم بقيمة 300 ألف ليرة على صفيحة البنزين، إضافة إلى زيادة الضريبة على القيمة المضافة (TVA) بنسبة 1%، بهدف تمويل زيادات رواتب موظفي القطاع العام، فإن السؤال المطروح يركز على الكلفة التي سيتحملها اللبنانيون جراء هذه الإجراءات، بمن فيهم موظفو القطاع العام أنفسهم، ومدى انعكاسها على مستوى المعيشة والاستقرار الاقتصادي.
يأتي القرار في سياق مالي واقتصادي بالغ التعقيد يعيشه لبنان منذ اندلاع الأزمة المالية عام 2019، حيث تآكلت القدرة الشرائية نتيجة التضخم وانهيار سعر الصرف، فيما باتت رواتب القطاع العام شبه عاجزة عن تلبية الحد الأدنى من متطلبات العيش.
التوجه يعكس محاولة حكومية لتحقيق توازن بين مطلب اجتماعي ملحّ يتمثل في تحسين أجور العاملين في الدولة، والحاجة إلى تأمين إيرادات فورية للخزينة، بيد أن طبيعة الضرائب المعتمدة، باعتبارها ضرائب غير مباشرة تطال الاستهلاك، فتحت نقاشا واسعا حول آثارها الاقتصادية والاجتماعية ومدى عدالتها وفاعليتها في الظرف الراهن.
الحكومة تؤكد أن تحسين رواتب موظفي القطاع العام حق مشروع، خصوصا بعد سنوات من التدهور النقدي وارتفاع الأسعار، إذ يشكل القطاع ركيزة أساسية في تقديم الخدمات العامة، وأيّ تراجع إضافي في أوضاع موظفيه قد ينعكس سلبا على انتظام المرافق وجودة الخدمات. من هذا المنطلق، ينظر إلى الرسم على البنزين وزيادة الـTVA كإجراءات سريعة التحصيل، نظرا إلى سهولة جبايتها وشموليتها، بما يسمح بتأمين إيرادات مباشرة من دون انتظار إصلاحات بنيوية طويلة الأمد.
في المقابل، يرى رئيس جمعية الضرائب اللبنانية هشام المكمل، أن هذه الإجراءات "ستؤدي حتما إلى ارتفاع كلفة المعيشة على جميع المواطنين، بمن فيهم موظفو القطاع العام أنفسهم. فالضرائب غير المباشرة، بطبيعتها، تفرض على الاستهلاك، ما يجعل أثرها واسع النطاق، ويصيب مختلف الفئات الاجتماعية بغض النظر عن مستوى دخلها".
الرسم على البنزين ينعكس مباشرة على كلفة النقل، وتاليا على أسعار السلع والخدمات كافة، لاعتماد الاقتصاد اللبناني كثيرا على النقل البري. أما زيادة الـTVA فتطال معظم السلع والخدمات الخاضعة للضريبة، ما يضيف عبئا إضافيا على الاستهلاك اليومي.
وبحسب تقديرات مبسطة يشير إليها المكمل، قد ترتفع كلفة المعيشة لمتوسط الدخل بنحو 5%، مع تأثير أكبر على ذوي الدخل المحدود الذين يخصصون نسبة أعلى من دخلهم للاستهلاك الأساسي. كما أن الاقتصاد اللبناني الذي يعاني تضخما مرتفعا واتساع الاقتصاد غير الشرعي، قد يشهد أثرا تضخميا متسلسلا، حيث تتجاوز الزيادات السعرية نسبة الضريبة نفسها نتيجة التوقعات التضخمية والممارسات السوقية.
فهل هذه الضرائب تخضع للعدالة الضريبية؟ من البديهي أن الضرائب غير المباشرة تعدّ عادة أقل تصاعدية من تلك المباشرة، إذ لا تميز بين المكلفين بحسب مستوى دخلهم. وتاليا، فإن أثرها النسبي يكون أشد على أصحاب الدخل المحدود.
من هنا، يدعو المكمل إلى تحسين الجباية الضريبية القائمة وتوسيع القاعدة الضريبية، ومكافحة التهرب الضريبي والجمركي، وضبط الهدر في الإنفاق العام، وربط أي زيادات في الرواتب بإصلاح إداري فعلي يرفع إنتاجية القطاع العام.
في المقابل يطرح المكمل بدائل يمكن أن تلجأ إليها الحكومة، ومنها فرض رسم محدد على علب السجائر بقيمة دولار واحد لكل علبة. وينظر إلى هذا الخيار على أنه أقل شمولا من حيث عدد المتأثرين به، وهو قادر على تحقيق إيرادات مرتفعة، وذو أثر صحي إيجابي محتمل عبر الحد من استهلاك التبغ.
غير أن فاعلية هذا الخيار تبقى رهنا بحجم السوق الفعلي، ومستوى التهريب، ومدى قدرة الدولة على ضبط الحدود وتحصيل الرسوم.