المصدر: Kataeb.org
السبت 4 نيسان 2026 18:46:17
لم تعد حملات التخوين في لبنان مجرّد خطاب سياسي حاد، بل تحوّلت إلى سلاح منظّم يُستخدم لقمع كل صوت يطالب بالدولة، وكل موقف يرفض إخضاع لبنان لمعادلات خارج الشرعية. ما يمارسه حزب الله اليوم لم يعد قابلًا للتوصيف كخلاف سياسي، بل كنهج متكامل يقوم على الترهيب المعنوي، التحريض العلني، وتخوين كل من يجرؤ على القول إن هذا البلد يحتاج إلى دولة لا إلى دويلة.
من رئيس الحكومة نواف سلام، إلى رؤساء الأحزاب السيادية، إلى النواب والوزراء والصحافيين والناشطين… لا أحد خارج دائرة الاستهداف. المعيار واحد: كل من يطالب بالقانون يُتّهم بالعمالة، كل من يطالب بحصرية السلاح يُوصف بالصهيوني، وكل من يدعو إلى قرار سيادي حرّ يُهدَّد ويُحرَّض عليه. إنها محاولة مكشوفة لإسكات ما تبقّى من صوت الدولة في لبنان، وإخضاع الحياة السياسية بالكامل لمنطق القوة.
في قلب هذه الحملة، يأتي استهداف النائب وضاح صادق كجزء من سياسة ممنهجة لا تحتمل أي معارضة. الرجل لم يطرح مشروعًا انقلابيًا، ولم يدعُ إلا إلى ما ينصّ عليه الدستور: أن يكون قرار الحرب والسلم بيد المؤسسات الشرعية، وأن يكون السلاح محصورًا بالمؤسسات العسكرية الشرعية، وأن يعيش اللبنانيون بأمان تحت سقف القانون. لكن في قاموس حزب الله، هذه المطالب تُعدّ جريمة، وأصحابها يُحاكمون بحملات تشهير وتهديد تقودها غرف منظّمة مرتبطة بالمحور الإيراني في لبنان.
الأخطر أن هذا الخطاب لم يعد يقتصر على الخصوم، بل بدأ يلتهم حتى البيئة الحاضنة نفسها. الاتهامات بالخيانة والتقصير والتلويح بـ"الحساب بعد الحرب" لم تعد همسًا، بل صارت جزءًا من الخطاب العلني، في مؤشر واضح على أزمة عميقة داخل هذا المشروع. وفي الوقت نفسه، تكشف الوقائع أن الاختراقات الأمنية والعمالة لم تأتِ منخارج هذا المحيط فقط، بل من داخله أيضًا، وهو ما يفضح زيف سردية التخوين العشوائي التي تُستخدم كسلاح سياسي أكثر مما هي توصيف للواقع.
الحقيقة التي يحاول هذا الخطاب طمسها واضحة: من جرّ لبنان إلى الحروب ليس من يطالب بالدولة، بل من صادر قرارها. من فتح أبواب البلاد على صراعات إقليمية ليس من دعا إلى السيادة، بل من ربط مصير لبنان بمشاريع خارج حدوده. ومع ذلك، يُراد قلب الوقائع، وتحويل الضحية إلى متهم، والدولة إلى خصم.
إن ما يجري اليوم هو محاولة فرض معادلة خطيرة: إمّا الخضوع، أو التخوين. إمّا الصمت، أو التهديد. وهذه ليست سياسة، بل عملية إلغاء ممنهجة للحياة الديمقراطية. الأخطر من ذلك، أنها تُمهّد لبيئة يصبح فيها التحريض على العنف أمرًا عاديًا، ويُفتح الباب أمام استباحة كل من يختلف في الرأي.
أمام هذا الواقع، لم يعد الصمت خيارًا. المطلوب موقف واضح من الدولة وأجهزتها، لوضع حدّ لهذا الانفلات، ومحاسبة كل من يحرّض على هدر الدم أو يهدد المواطنين تحت أي ذريعة. لأن استمرار هذا النهج لا يعني فقط إسكات المعارضين، بل يعني تفكيك ما تبقّى من مفهوم الدولة في لبنان.
المعركة اليوم ليست بين أطراف سياسية، بل بين منطقين: منطق الدولة، ومنطق الفوضى المقنّعة بشعارات. وبينهما، يقف اللبنانيون أمام خيار حاسم: إما استعادة بلدهم، أو تركه رهينة لمن لا يعترف أصلًا بوجود الدولة.