المصدر: نداء الوطن
الأربعاء 7 تشرين الأول 2026 06:51:34
قبل ثلاث سنوات، استفاق العالم والمنطقة على وقع "طوفان الأقصى". وفي اليوم التالي، دخل "حزب الله" معركة "الإسناد"، واضعًا لبنان على مسار لا يزال مفتوحًا على الدمار والخسائر البشرية والاقتصادية والمعيشية. أما فائض القوة "المغشوش" الذي بنى عليه قراراته، وروّج له داخل بيئته بوصفه ضمانة للحماية والردع، فانقلب في المحصّلة فائضًا من الخسائر، وأسهم في نحر الجنوب من الوريد إلى الوريد. وفيما لا تزال البلاد تدفع أثمان الحرب، تتراكم فوقها الأزمات الداخلية، من الكهرباء إلى غلاء الأسعار.
وبدل أن يتعقّل "الحزب" ويعيد حساباته، رأفةً بناسه أولا، يواصل أمينه العام الشيخ نعيم قاسم بيع الأوهام في طواحين "الممانعة"، إذ يرى أن "تحرير الجنوب أمام أعيننا"، وأن "المقاومة التي صمدت مع مجاهديها وشعبها استطاعت أن تقدّم أسطورة في الصمود خلال كل هذه الفترة من العدوان المتواصل". لكن أيّ صمود هذا، فيما نحو مئة بلدة جنوبية مدمّرة كليًا، وجبل عامل تعرّض لأكبر تهجير ونزوح في تاريخه؟ وأيّ "أسطورة" هذه إذا كان ثمنها ألّا يبقى حجر على حجر؟
في الغضون أغلق قاسم في كملته أمس الباب أمام أي مراجعة، قائلا: "لا تسألونا ماذا ستفعلون، لا يمكن إلا أن نكون مقاومة طالما أن هذا العدوان موجود"، مضيفًا أن "لا شيء" لديه ليقدّمه، وأن "الحل يبدأ بخروج العدو صاغرًا"، قبل أن يحسم موقفه: "لا تسألونا عن حلول أخرى".
إلى ذلك، وضع قاسم "حصر السلاح" في السلة نفسها مع الاقتصاد والوظائف والعيش المشترك وأموال المودعين، معلنًا الاستعداد لمناقشة هذه القضايا "وفق الأطر الدستورية"، وكأن السلاح مجرد ملف داخلي تقني، قابل للأخذ والرد على غرار أي بند اقتصادي أو اجتماعي، لا قضية تمسّ جوهر السيادة واحتكار الدولة للقوة وقرار الحرب والسلم. فإذا كان الدستور هو المرجعية في الاقتصاد والوظائف وأموال المودعين، فكيف يتحوّل السلاح إلى بند تفاوضي بين أطراف الداخل؟
جرس إنذار كهربائي
بالعودة إلى وجع اللبنانيين الراهن، فإذا بقيت الدولة عاجزة عن حسم الملف السيادي، فإنها لا تملك ترف التباطؤ في معالجة قضية الكهرباء، ولا سيما بعدما أعلن وزير الطاقة والمياه جو الصدّي، في مؤتمر صحافي أمس، تعليق مشاركته في جلسات مجلس الوزراء. فالتأخير يوسّع دائرة الاحتقان الاجتماعي، إذ باتت قدرة اللبنانيين على الاحتمال عند حدودها القصوى.
في هذا السياق، قال مصدر سياسي رفيع لـ"نداء الوطن" إن "تعليق وزير الطاقة والمياه جو صدي مشاركته في جلسات مجلس الوزراء هو بمثابة جرس إنذار واضح إلى أن طريقة مقاربة الملفات الحيوية، ولا سيما ملف الكهرباء، لم يعد في الإمكان أن تستمر على النحو الذي ساد في السابق، في وقت بات فيه المطلوب اتخاذ قرارات جريئة ومسؤولة تضع حدًّا للتردد والمماطلة، بدلا من الاستمرار في سياسة التمهل وانتظار ما قد تحمله التطورات، فيما يواصل هذا الملف استنزاف الدولة وإثقال كاهل الشعب اللبناني بأعبائه المالية والخدماتية".
وأوضح المصدر أن "خطوة وزير الطاقة تأتي في سياق محاولة دفع المعالجة الحكومية لملف الكهرباء نحو مرحلة أكثر حسمًا، انطلاقًا من أن استمرار الأزمة من دون قرارات واضحة وعملية، لن يؤدي إلا إلى تعميق التداعيات المترتبة عليها، سواء على مستوى المالية العامة أو انتظام التغذية الكهربائية أو ثقة اللبنانيين بقدرة الدولة على معالجة أحد أكثر الملفات استعصاءً منذ سنوات".
وكشف المصدر أن "صدي سيزور اليوم رئيس الجمهورية جوزاف عون، للبحث في مختلف الخلفيات والملابسات التي أحاطت بقراره تعليق مشاركته في جلسات مجلس الوزراء، على أن يتشاور رئيس الجمهورية بدوره مع رئيس الحكومة نواف سلام في ما آلت إليه الأمور، بما يفتح الباب أمام معالجة سياسية داخلية تحول دون اتساع دائرة الخلاف داخل السلطة التنفيذية".
وبحسب المصدر نفسه، "فإن الاتصالات الجارية يفترض أن تفضي إلى توضيح الصورة في خلال الساعات المقبلة، وسط ترجيح بأن تتجه الأمور في منحى إيجابي قبل انعقاد جلسة مجلس الوزراء المقررة بعد ظهر غد في قصر بعبدا. ويؤمل أن يشارك الوزير صدي في الجلسة، بما يسمح بعودة النقاش الحكومي إلى مساره الطبيعي، على أن يتصدر ملف الكهرباء جدول البحث باعتباره القضية الأكثر إلحاحًا والأشد التصاقًا بأعباء اللبنانيين اليومية".
وعمّا إذا كانت قد أُجريت اتصالات بين بعبدا وقيادة "القوات اللبنانية"، أشارت المعلومات إلى أن الاتصالات ستتركز بين عون وسلام والصدي، باعتبار أن الأزمة مطلبية ووزارية، وتتصل بملف وزارة الطاقة، وليست أزمة سياسية نتج عنها اعتكاف وزراء "القوات". بل على العكس، ثمة تناغم بين عون وسلام و"القوات" في المواقف السيادية والسياسية، ما يجعل الأولوية لمعالجة أزمة الكهرباء والطاقة التي أدت إلى اعتكاف وزير الطاقة.