"لاءات" بري الشكلية تعود إلى الواجهة ولا تعيق عمل الرئيس

يبدو أن عمل رئيس مجلس النواب اللبناني، نبيه بري، على إحياء ما أطلقه من "لاءات" في وقت سابق، بعدم التفاوض "تحت النار أو قبل وقف العدوان أو قبل عودة النازحين"، يحمل أهدافا ما بين السر والعلن، بالعمل على "مسك العصا من المنتصف"، ما بين "البيئة الحاضنة" والسلطة السياسية التي يقودها رئيس الجمهورية، جوزيف عون.

واعتبر مراقبون أن بري يعمل على إعادة إنتاج "اللاءات الثلاثة"، سعيا لعدم الذهاب إلى آثار سلبية مرتدة من حزب الله على فريقه حركة أمل الذي يتزعمه، والذي يشكل مع الميليشيا اللبنانية ما يعرف بـ"الثنائي الشيعي".

ويعتقد مراقبون في تصريحات لـ"إرم نيوز"، أن "لاءات" بري "شكلية" في ظل ما يخرج عنه من اعتراضات دون القيام بإجراءات تنفيذية أو على الأرض تدعمها وسط تباين المواقف بينه وبين حزب الله، وفي وقت لا يشارك فيه جمهور حركة أمل في مظاهرات الميليشيا، ضد الحكومة وتفاوضها والاتفاق الإطاري.

وكان قد أعلن بري، أنه لا يزال متمسكا برفض أي تفاوض مباشر بين لبنان وإسرائيل، مبديا عدم التفاؤل بالوصول إلى نتائج إيجابية بشأن المسار السياسي الذي يقوده رئيس الجمهورية، جوزيف عون.

ويأتي ذلك في ظل الجدل القائم حول من يقوم برسم مسارات التفاوض في لبنان، لا سيما بعد زيارة الرئيس اللبناني إلى واشنطن ولقائه نظيره الأمريكي دونالد ترامب، ومدى إرباك "لاءات" عون حسابات ساكن قصر بعبدا الرئاسي.

ويقول الباحث في السياسات اللبنانية، الدكتور ميشال الشماعي، إن رفض بري السلام وتمسكه بحصر التفاوض بطريقة غير مباشرة وربط ذلك بتنفيذ الانسحاب الإسرائيلي وبالعودة إلى اتفاق الهدنة، أمور تعيد المقاربة بأن المسألة الدستورية ليست في يديه ولكن مع عون الذي إعمالا بالمادة 52 من الدستور، يقود السياسة الخارجية بالتنسيق مع الحكومة.

وأضاف الشماعي لـ"إرم نيوز"، أن وزراء حزب الله وبري في هذه الحكومة، لا يستطيعون تعطيلها كما كان في السابق، لكن الأخير بحكم موقعه السياسي كرئيس لمجلس النواب وتمثيله لما يعرف بـ"الثنائي الشيعي" يعتبر لاعبا أساسيا في بناء التوافق الداخلي لا سيما في الشارع الشيعي.

وأشار إلى أن الأمر ليس في من يملك الصلاحيات فقط ولكن أيضا من يملك القدرة السياسية على رسم سقف التفاوض في ظل توازنات النظام الذي ما زال مهيمنا عليها من قبل ما يعرف بـ"الدولة العميقة" التي يعتبر بري المايسترو لها.

ويتحكم بري بمفاتيح اللعبة السياسية وفق الشماعي، من خلال سيطرته على المجلس النيابي حتى الساعة، حيث يفتح ويغلق البرلمان عندما يريد ويضع هذا القانون على جدول الأعمال ويؤجل آخر بحسب رغبته، مما يعني أن هناك مسائل دستورية وتشريعية رئيسة في يديه.

لكن الاستفادة الكبرى التي يستثمرها رئيس الجمهورية تكمن في أنه مقبول من الأمريكي والمجتمع الدولي وأن الخيار الذي يقوده يحكم المرحلة الحالية والمستقبلية، لذلك فإن القدرة على "اجتراح" الأمور السياسية لرئيس الجمهورية ولكن يبقى بري المعرقل والمعطل إلى أن يتم الضغط عليه أمريكيا، سواء سياسيا أو بفرض عقوبات على مصالحه.

فيما يرى الباحث السياسي اللبناني، ربيع ياسين، أن من يرسم اليوم سقف التفاوض مع إسرائيل هي الدولة فقط لا غير رغم كافة المحاولات الإيرانية للإمساك بالورقة الخاصة بالملف التفاوضي وأن تكون معنية بذلك من أجل ترتيب مصالحها.

واعتبر ياسين في حديثه لـ"إرم نيوز"، أن لبنان يتعامل بقراره مع تطبيق المناطق التجريبية وانتشار الجيش فيها ومن خلال قرارات سياسية نابعة في البداية عن رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة وهو ما يعكس أن من يرسم مستقبل البلد ليس فقط التفاوض ولكن السلطة الرسمية.

ويحظى ذلك بتأييد شريحة واسعة من الشارع على حد قول ياسين، من بينهم جزء لا يستهان به من الطائفة الشيعية التي تعبت من الدمار والخراب مع دفعها الفاتورة الإيرانية في إشارة لسكان الجنوب الذين دمرت منازلهم وقراهم من أجل مشروع المرشد في طهران.

ويستكمل بأن هذا المشروع يسقط تدريجيا بعد أن كان حزب الله يستطيع أن يتحكم في السابق برئيس الجمهورية والحكومة برمتها، أما اليوم فهو غير قادر على السيطرة سوى على أشخاص يدفعهم للنزول في الشارع للتظاهر ضد قرارات الحكومة. 

وبين ياسين أن "لاءات" بري لا تعيق اليوم عمل رئيس الجمهورية وأكبر دليل أنه كان رافضا للتفاوض مع الاتفاق المباشر وفي النهاية تم تجاوز عرقلة ذلك والذهاب إلى هذه المراحل، ولكنه بشكل كبير، يتعامل بهذه اللاءات مع الحاضنة الشعبية وسط التباين بينه وبين حزب الله.

وأردف بأن قدرة بري باللاءات وإرباك المشهد وحسابات الدولة باتت ضئيلة على الرغم من أن الرئيس عون حريص على إحاطته بكافة الصور من كل الزوايا واتصل به قبيل زيارته لواشنطن واستمع لرسائل رئيسية كان يريد أن يقدمها للرئيس ترامب وأعاد الاتصال به للوقوف على ما جرى وأن هناك لقاء مرتقبا في قصر بعبدا، وسط تصرف بحكمة من رئيس الجمهورية حول ذلك.