المصدر: إرم نيوز
الثلاثاء 22 أيلول 2026 18:44:44
تتحول المطالبة باستئناف الرحلات الجوية المباشرة بين بيروت وطهران إلى عنوان جديد لاختبار قدرة حزب الله على العودة إلى الشارع، في وقت تتعرض فيه قنوات اتصاله المالية واللوجستية مع إيران لضغوط متزامنة جواً وبراً وبحراً.
وكشف مصدر أمني لبناني لـ"إرم نيوز"، أن نقاشاً يدور داخل بيئة الحزب وحلفائه حول العودة إلى استخدام التحركات الشعبية تحت عناوين مطلبية وسياسية، موضحاً أن الوقفة المقررة عصر الثلاثاء في حارة حريك احتجاجاً على استمرار وقف الرحلات الإيرانية تشكل اختباراً أولياً لإمكان توسيع هذا النوع من التحركات.
وتحمل الدعوة اسم "هيئة أصدقاء لبنان وإيران"، وحددت الخامسة والنصف مساء موعداً للتجمع مقابل المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، تحت عنوان رفض استمرار منع الرحلات المباشرة وما يسببه ذلك من أضرار للطلاب والزوار واللبنانيين الراغبين في السفر إلى إيران.
لكن المصدر يضع التحرك في سياق يتجاوز ملف المسافرين، ويربطه بالضغط المتزايد على خطوط إمداد حزب الله مع إيران، بعد خسارة الطريق السوري القديم وتشديد السلطات السورية مراقبتها للحدود، بالتوازي مع الرقابة الإسرائيلية على المسارات البحرية والجوية.
شريان مُغلق
وبحسب المصدر، مثّلت الرحلات الإيرانية لسنوات إحدى القنوات الأكثر أمناً وسرعة لإيصال الأموال النقدية والأفراد وبعض المعدات والمكونات التقنية التي يصعب نقلها بكميات كبيرة عبر الحدود البرية، ومن بينها، وفق معلوماته، قطع إلكترونية تدخل في تصنيع وتطوير المسيّرات وبعض تجهيزات الصواريخ.
وتتقاطع جزئية الأموال خاصةً مع معطيات أمريكية حديثة. ففي أغسطس/آب الماضي، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية استهداف شبكة قالت إنها تنقل الأموال إلى حزب الله بواسطة مسافرين على رحلات تجارية بين لبنان وإيران وتركيا، مشيرة إلى أن الشبكة أتاحت نقل مبالغ تصل إلى مئات ملايين الدولارات خارج النظام المالي الرسمي.
وفي سبتمبر/أيلول الجاري، كشفت الخزانة عن قناة أخرى قالت إن فيلق القدس استخدم عبرها شركات وصرافين لنقل مئات ملايين الدولارات إلى الحزب بين مايو/أيار وسبتمبر/أيلول 2025، وإن الحزب استخدم تلك الأموال في شراء الأسلحة وتصنيع المعدات ودفع الرواتب.
وتعني هذه المعطيات أن إغلاق الخط المباشر مع إيران لم يوقف التمويل، لكنه جعله أكثر تعقيداً وكلفة، ودفع شبكات الحزب إلى الاعتماد بصورة أكبر على الوسطاء والصرافين وحملة الأموال ومسارات تمر بدول ثالثة.
وظهر ذلك مبكراً في فبراير/شباط 2025، عندما ضبطت السلطات اللبنانية 2.5 مليون دولار مع مسافر قادم من تركيا، وقالت ثلاثة مصادر حينها إن الأموال كانت متجهة إلى حزب الله. وجاءت العملية بعد وقت قصير من وقف الرحلات الإيرانية المباشرة.
من الطائرة إلى الشارع
بدأت الأزمة الحالية في فبراير/شباط 2025، عندما رفض لبنان السماح لطائرة إيرانية بالهبوط في بيروت، عقب اتهامات إسرائيلية لفيلق القدس باستخدام الرحلات المدنية لنقل الأموال إلى حزب الله. وأدى القرار إلى نزول أنصار الحزب إلى طريق المطار، قبل أن يستخدم الجيش الغاز المسيل للدموع لتفريق المحتجين.
وكانت مؤشرات التوتر قد ظهرت قبل ذلك بأسابيع. ففي يناير/كانون الثاني 2025، أثارت رحلة تابعة لـ"ماهان إير" أزمة بعد إخضاع أمتعة ركابها للتفتيش والعثور على أموال في حقائب مرتبطة بدبلوماسيين إيرانيين، قالت طهران إنها مخصصة لنفقات السفارة.
كما وثقت تقارير أمريكية استخدام شركة "ماهان إير" في شبكات مرتبطة بنقل أسلحة ومكونات عسكرية إيرانية، فيما فرضت الخزانة الأمريكية في أبريل/نيسان الماضي عقوبات جديدة على جهات وطائرات مرتبطة بالشركة ضمن شبكات شراء ونقل مكونات صاروخية ومعدات عسكرية.
في هذا الإطار، رأى الباحث السياسي اللبناني مكرم رباح، في تعليقه على أزمة الرحلات الإيرانية ومطار بيروت، أن القضية تتجاوز مسألة نقل المسافرين أو حتى تهريب الأموال، إلى الدور الذي أداه المطار ضمن شبكة الاتصال اللوجستي بين إيران وحزب الله.
وأكد أن وقف الرحلات الإيرانية لا يرتبط بالأموال وحدها، بل إن الأسلحة تدخل أيضاً في خلفية الإجراءات المتخذة، معتبراً أن تشديد الدولة سيطرتها على المطار ضيّق أحد المسارات التي استخدمها الحزب للحصول على العملة الصعبة.
كما ربط رباح احتجاجات أنصار الحزب السابقة على طريق المطار بمنع وصول الأموال الإيرانية، ما يجعل التمسك بإعادة الرحلات، وفق قراءته، جزءاً من صراع أوسع على قدرة الدولة على إخضاع المطار لسلطتها ومنع استخدامه كقناة مالية ولوجستية خارج رقابتها.
حصار الطرق
المشكلة بالنسبة إلى الحزب، وفق المصدر الأمني، أن خسارة حرية الحركة الجوية تتزامن هذه المرة مع تضييق البدائل الأخرى. فالمسار السوري الذي كان يمثل العمود الفقري للإمداد الإيراني لم يعد يعمل بالشروط القديمة، فيما بات نقل الشحنات عبر الحدود أكثر خطورة، بالتزامن مع مراقبة إسرائيلية مستمرة لمحاولات إعادة بناء الترسانة.
وحتى البدائل المالية تتعرض لضغط متصاعد؛ إذ استهدفت العقوبات الأمريكية خلال 2026 شبكات للصرافة والذهب والشركات والوسطاء الذين تتهمهم واشنطن بتوفير السيولة للحزب أو تحويل عائدات مرتبطة بإيران إلى لبنان.
ومن هنا، يعتقد المصدر أن التحرك الجديد لا ينبغي قراءته باعتباره احتجاجاً على مشكلة سفر فقط، بل محاولة لإعادة فتح واحد من أكثر الملفات حساسية بالنسبة إلى الحزب؛ أي الاتصال المباشر بطهران.
ويقول إن اجتماعات ونقاشات ضمت شخصيات من حزب الله وحركة أمل وقوى يسارية تناولت إمكان تنظيم تحركات مطلبية وسياسية، وسط خشية لدى جهات رسمية من استخدام الشارع لرفع الضغط على الرئيس جوزيف عون والحكومة.
في المحصلة، يريد حزب الله من خلال هذه التحركات، إعادة أزمة المطار بعد أكثر من عام ونصف إلى الواجهة، ففي فبراير/شباط 2025 كان الصراع يدور حول منع طائرة إيرانية من الهبوط؛ أما اليوم، فيدور حول شبكة التهريب الأكبر التي كانت تربط حزب الله بإيران، فيما يبدو أن الطائرات التي يريد أنصاره إعادتها إلى بيروت لم تعد مجرد وسيلة لنقل المسافرين، بل رمزاً لشريان إيراني أصبح الوصول إليه أصعب من أي وقت مضى.