من إسلام آباد إلى باريس.. لماذا تنفتح باكستان على لبنان؟

خلال أشهر قليلة، برزت باكستان في أكثر من محطة مرتبطة بالمؤسسات العسكرية والأمنية اللبنانية. بدأ الأمر بزيارة قائد الجيش العماد رودولف هيكل إلى إسلام آباد في حزيران، ثم زيارة وزير الداخلية أحمد الحجار الأخيرة، وصولاً إلى مشاركة باكستان في الاجتماع التحضيري في باريس لدعم الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي.

هذا التتابع يتزامن مع توسع الحضور الباكستاني في الشرق الأوسط، من دورها في الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران، إلى توقيع "اتفاق مكة للدفاع المشترك" مع السعودية وتركيا، بالتوازي مع توسيع شبكة علاقاتها الدفاعية والأمنية.

ومن هذه الزاوية يمكن فهم الاهتمام المتزايد بلبنان. فإسلام آباد تجد أمامها دولة تحاول تعزيز دور الجيش والأجهزة الأمنية في المرحلة المقبلة، فيما تملك باكستان خبرات يمكن أن تقدمها في التدريب والأمن ومكافحة الإرهاب والصناعات الدفاعية.

 

البداية من الجيش

كانت زيارة هيكل بين 6 و9 حزيران أول مؤشر واضح. فقد تناولت لقاءاته مع المشير عاصم منير الأمن والدفاع والتدريب ودعم الجيش اللبناني، فيما شملت الزيارة أيضاً شركات ومصانع عسكرية باكستانية، واطلاعاً على القدرات الصناعية وتقنيات الابتكار الدفاعي وفرص التعاون المستقبلية.

وتكتسب هذه النقطة أهمية، فباكستان تمتلك قاعدة صناعات دفاعية واسعة وتسعى إلى توسيع شراكاتها الخارجية. لبنان ليس سوقاً كبيرة بالمعنى التجاري، لكنه قد يشكل شريكاً جديداً يبدأ التعاون معه بالتدريب والخبرات، ويمكن أن يمتد لاحقاً إلى التجهيز أو الصيانة أو بعض المشتريات، إذا توافرت الظروف السياسية والمالية.

 

من الجيش إلى الأمن الداخلي

زيارة الحجار أظهرت أن العلاقة لا تقتصر على المؤسسة العسكرية. فقد شملت المحادثات مكافحة الإرهاب والمخدرات والهجرة غير الشرعية وتبييض الأموال والجرائم الإلكترونية، والتعاون بين المؤسسات الشرطية، إلى جانب الاتفاق على تطوير التعاون بين وزارتي الداخلية. كما وُقعت مذكرة لنقل المحكومين بين البلدين.

ويشرح مصدر في وزارة الداخلية لـِ "المدن" أن زيارة الحجار إلى باكستان لا ترتبط مباشرة بـِ "اتفاق مكة"، بل تعود بدايتها إلى لقاء جمعه بوزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي خلال موسم الحج في السعودية، في مرحلة كانت باكستان تؤدي دور الوساطة بين إيران والولايات المتحدة. وخلال اللقاء، وُجهت دعوة رسمية إلى الحجار لزيارة إسلام آباد، قبل أن يلبيها لاحقاً.

وبحسب المصدر، جاءت الدعوة في وقت كانت هناك ملفات ثنائية قيد المتابعة، أبرزها اتفاق نقل المحكومين، بعدما فوضت الحكومة اللبنانية وزير الداخلية متابعة الملف. وخلال الزيارة، وقع الحجار ونظيره الباكستاني الاتفاق، إلى جانب البحث في ملفات أمنية أخرى.

ويلفت المصدر إلى أن مستوى الاستقبال الباكستاني كان لافتاً، وعكس اهتماماً واضحاً بتطوير العلاقة مع لبنان. كما شملت الاجتماعات ملف مكافحة المخدرات، وجرى الاتفاق على إعادة تفعيل اتفاقية سابقة بين البلدين وتعزيز التواصل المباشر في هذا المجال، خصوصاً في ما يرتبط بالمسارات الآتية من أفغانستان.

وبحسب المصدر، فإن المسار الحالي بدأ من اتصالات ثنائية وملفات عملية بين البلدين، قبل أن يتوسع لاحقاً مع زيارة الحجار والاجتماعات التي عقدها في إسلام آباد.

 

باكستان توسّع حضورها 

أهمية الحضور الباكستاني ظهرت أيضاً في اجتماع باريس التحضيري لدعم الجيش وقوى الأمن الداخلي، الذي ضم ممثلين عن 17 دولة ومنظمات دولية بهدف تحديد احتياجات المؤسستين والتحضير لدعم أوسع لهما.

مشاركة باكستان في هذا الاجتماع تعني أن إسلام آباد حاضرة أيضاً في الإطار الدولي الذي يناقش دعم المؤسستين الأمنيتين والعسكريتين اللبنانيتين.

الانفتاح الباكستاني يأتي في لحظة تشهد تحولاً في موقعها الإقليمي، بالتوازي مع ارتفاع مستوى الاهتمام الدولي بالجيش وقوى الأمن الداخلي في لبنان.

فباكستان برزت خلال الأشهر الماضية في الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران، ثم وقعت مع السعودية وتركيا "اتفاق مكة للدفاع المشترك"، في مؤشر إلى سعيها لتوسيع حضورها خارج محيطها التقليدي في جنوب آسيا.

وفي المقابل، يواجه الجيش والأجهزة الأمنية اللبنانية مهمات أكبر في الانتشار وضبط الحدود وحفظ الأمن، ما يفتح المجال أمام شركاء إضافيين في التدريب والتجهيز والدعم. ويأتي اجتماع باريس ليعكس هذا الاتجاه، فيما تظهر باكستان كواحدة من الدول الساعية إلى دخول هذا المسار.

 

"اتفاق مكة".. الخلفية لا الرابط المباشر

لبنان ليس عضواً في "اتفاق مكة"، ولا توجد مؤشرات على بحث انضمامه إليه. كما أن زيارة هيكل إلى باكستان سبقت توقيع الاتفاق، وبالتالي لا يمكن اعتبار التعاون اللبناني - الباكستاني نتيجة مباشرة له.

لكن الاتفاق يساعد في قراءة التوقيت، لأنه يعكس انتقال باكستان نحو دور أوسع في الترتيبات الأمنية والدفاعية في المنطقة.

وفي الوقت نفسه، لا يزال الاتفاق نفسه في طور الاختبار. فالسعودية تعرضت لهجمات حوثية بعد توقيعه، من دون أن يظهر حتى الآن رد عسكري مشترك من الدول الثلاث تحت مظلته.

وهذا يكشف أيضاً طبيعة السياسة الباكستانية، التي تحاول توسيع شراكاتها من دون حصر نفسها في مواجهة إقليمية واحدة. فهي تعزز علاقتها بالسعودية وتركيا، وتحافظ في الوقت نفسه على قنواتها مع إيران وتؤدي دوراً في الوساطة بينها وبين الولايات المتحدة.

لذلك، لا توجد حتى الآن مؤشرات على أن الانفتاح على لبنان موجه ضد إيران أو حزب الله، بقدر ما يبدو جزءاً من توسيع علاقات باكستان مع مؤسسات الدولة في المنطقة.

 

ماذا تريد باكستان؟

الأقرب أن باكستان تسعى إلى ترجمة وزنها العسكري والدبلوماسي المتزايد إلى شبكة علاقات أوسع في الشرق الأوسط.

ولبنان يوفر لها مساحة مناسبة لذلك، مؤسسات أمنية وعسكرية تحتاج إلى التدريب والدعم، وإمكانية مستقبلية للتعاون في الصناعات الدفاعية، إلى جانب علاقة مباشرة مع الدولة اللبنانية.

أما بالنسبة إلى لبنان، فالعلاقة مع باكستان تضيف شريكاً جديداً إلى شبكة قائمة أصلاً، من دون أن تعني استبدال الولايات المتحدة أو فرنسا أو بريطانيا أو الدول العربية.

الجديد إذاً هو انتقال باكستان، خلال فترة قصيرة، من حضور محدود في الملف اللبناني إلى التواصل مع قيادة الجيش ووزارة الداخلية، ثم المشاركة في الإطار الدولي المخصص لدعم المؤسستين في باريس.

والخطوات المقبلة ستحدد حجم هذا المسار. فإذا انتقل إلى برامج تدريب دائمة أو تجهيز أو تعاون أمني منظم، يمكن الحديث عن حضور باكستاني أكثر ثباتاً في لبنان. أما إذا بقي عند مستوى الزيارات والتنسيق الحالي، فسيظل جزءاً من توسيع العلاقات الثنائية ضمن الحركة الإقليمية الأوسع لإسلام آباد.