المصدر: الوكالة المركزية
الكاتب: طوني جبران
الأحد 12 نيسان 2026 10:31:37
تجمع مراجع سياسية وديبلوماسية عليمة على الاعتراف بخطورة الأيام الفاصلة بين مسار مفاوضات اسلام اباد بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران التي انطلقت امس وتلك المتوقعة في واشنطن بعد غد الثلاثاء في أولى المراحل المتوقعة من مسار المفاوضات بين لبنان واسرائيل، بعد أن تحقق الفصل بين هذين المسارين بطريقة اقتربت من أن تكون نهائية لمجرد ما هو متوقع من احداث ومواقف بدأت تطل بقرونها من اسلام اباد. فالاتفاق الخاص بوقف النار على الجبهة اللبنانية لم ير النور على الرغم من التعهدات الإيرانية الواهية التي تلاشت، بعدما وافقت إيران على تمديد المفاوضات من جلسة واحدة الى مسلسل من دون التثبت من تحقيقه، بعدما تخللتها محطات عدة رافقت ما شهدته من موائد العمل واللقاءات الليلية التي استمرت احدى الجولات حتى الثالثة فجرا وشارك فيها إلى القيادات الرئاسية والحكومية الديبلوماسيون والاخصائيون المكلفون بمتابعة المفاوضات بوجوهها المتعددة.
على هذه الخلفيات، كشفت هذه المراجع لـ "المركزية" عن مجموعة من التقارير التي تم تبادلها قبيل انطلاق مفاوضات اسلام اباد بين طرفيها تحدثت عن مشاريع لسيناريوهات وقع فيها السباق بين إلحاق أي اتفاق لوقف النار على الساحة اللبنانية بذلك الاتفاق الذي يعني الحرب على الجبهة الإيرانية. وكأنه مجرد ساحة من ساحات المواجهة عينها على الرغم من مجموعة العوامل التي تفرق بينهما بما فيها المفارقات العجيبة التي لم تكن مطروحة من قبل. وهي تتراوح من تلك المتصلة بالظروف الإيرانية الى تلك التي تعني القوى المضادة لها الساعية الى إقصائها عن الساحة اللبنانية ورفع يدها عنها. ومنها على سبيل المثال لا الحصر:
على المستوى الإيراني شاءت طهران التأكيد على سيطرتها التامة على الساحة اللبنانية بعد فقدانها أذرعها في كل من سوريا والعراق واليمن والتمسك بما استثمرت فيه من مليارات الدولارات على حزب احتاجته بهذا الدور الفظ والمفضوح، وخصوصا عندما مست الاخطار أراضيها مباشرة للمرة الأولى وطالت أسلحتها البحرية والجوية والصاروخية ومعها منشآتها النووية والاقتصادية والنفطية والطاقوية، وقد آن اوان الكشف عن دوره ووجهه الإيراني في ظل العزلة اللبنانية التي يعيشها الحزب بحيث فقد كل حلفائه قبيل المعركة الاخيرة.
والى هذه المعطيات الإيرانية ظهر واضحا ان "حزب الله" لم يعد قادرا على نفي التهمة التي وجهت اليه، بأنه تصرف تأكيدا على وجهه الإيراني لا اللبناني. بعدما سقطت كل حججه الواهية، بقراره الخاص بالدفاع عن لبنان فحسب، وخصوصا عندما برز دور ضباط حراس الثورة الإيرانية و"فيلق القدس" تحديدا في إدارة الحرب وقد قتل منهم من قتل في لبنان، واكتشف أمر الآخرين الذين اضطروا لمغادرة لبنان، ومنهم من استهدف وفقد حياته بعد عودته الى بلاده بأيام معدودة. ولم يعد مخفيا دورهم في "هندسة" العمليات الحربية بعيدا من أي دور للقيادات اللبنانية المهمشين. ولا سيما عند استخدام الأسلحة الصاروخية البعيدة المدى بالتناغم والتنسيق المباشر مع إيران في توقيت موحد لتشتيت القدرات الصاروخية الاسرائيلية المضادة لها، قبل ان تشارك اليمن بأربعة او خمسة صواريخ لا أكثر كدليل على افتقار الحوثيين للكثافة السابقة التي كان يمكن استخدامها.
في المقابل، ظهر جليا ان واشنطن وتل ابيب لم تكونا في وارد التجاوب مع المطالب الإيرانية ليشمل وقف النار جنوب لبنان مع الاتفاق الخاص بها وفق معايير تؤدي الى تكريس المنطق الذي يقول أنه لم يعد لإيران الحق بالتدخل على أي ساحة بعيدة عن أراضيها الجغرافية، لا في العراق ولا لبنان ولا اليمن بعد خسارتها النهائية للساحة السورية وهي نظرية تكرس مبدأ عدم النقاش في بند هام من بنود الورقة الأميركية بنقاطها الخمسة عشرة. وهي وإن ضمنتها ايران في بند خاص من بنودها العشرة، فإن عدم الاعتراف بما جاء فيها كان واضحا وصريحا عندما اعتبر الاميركيون أن فيها ما يوحي بإمكان فتح الباب أمام مفاوضات اسلام اباد. وان ذلك لا يعني إعطاء طهران موافقة مسبقة على أي من بنودها، بدليل عدم الاعتراف بحقها على مستوى الاحتفاظ بعمليات التخصيب على أراضيها ولا في حقها باستكمال بناء قدراتها الصاروخية البعيدة المدى كما بالنسبة الى مصير التعاطي مع حركة العبور في مضيق هرمز، على اساس انه معبر طبيعي ينطبق عليه القانون الذي يتحكم بالمضائق البحرية الدولية التي لا يد للبشر في وجودها.
وما بين النظريتين الإيرانية وتلك التي تعاكسها، برز الموقف اللبناني الرسمي الذي لا يمكنه القبول بأن يكون هناك مفاوض إيراني او غيره يناقش على أي طاولة من طاولات المفاوضات أينما وجدت، بما يحدث على الساحة اللبنانية وان المهمة مرتبطة باللبنانيين فقط وتحديدا برئيس الجمهورية كما ينص الدستور الذي أعطاه حق الإشراف على المفاوضات مع أي دولة اجنبية. وزاد من إصرار لبنان على هذه الخطوة أنه مضطر لاحترام قرارات مجلس الوزراء الذي حظر النشاط العسكري والأمني لحزب الله منذ الثاني من آذار الماضي بعد ان قاد لبنان الى هذه الحرب لإسناد إيران. واعتبار ما قام ويقوم به حتى اليوم نشاطا خارجا عن القانون والدستور ولا يمكنه تبني ما قام به ولا حصيلته المدمرة، وإن تحمل مسؤولية التوصل الى وقف للنار، فإنه لا يعطي الحق بمشاركة الحزب كقوة خارجة على القانون كما يفكر به البعض. حتى أن أي دور لرئيس مجلس النواب غير ملحوظ هذه المرة في المفاوضات لاختلاف الظروف التي تحكمت بتلك التي قادت الى تفاهم 27 تشرين الثاني 2024.، بحيث ان الحكومة المستقيلة في حينه لم تكن بكامل مواصفاتها الدستورية في ظل خلو سدة الرئاسة من شاغلها.
وبناء على ما تقدم، تبرز خطورة الساعات الفاصلة عن مفاوضات اسلام اباد التي انطلقت أمس بين واشنطن وطهران وتلك المنتظرة في واشنطن بين بيروت وتل ابيب بعد غد الثلاثاء ، في ظل عدم التوصل الى أي اتفاق لوقف النار. وان ما انتهت اليها الخطوات الأميركية تجاه المطالب اللبنانية أدت الى وقف العمليات الإسرائيلية العسكرية في بيروت والضاحية الجنوبية واقتصارها على الساحة الجنوبية مع استمرار عمليات الاستكشاف فوق بيروت ومعظم المناطق اللبنانية في انتظار التفاهم على وقف للنار ان كان يمكن أن يتم التوصل إليه قبل دخول مفاوضات واشنطن بعد ظهر يوم الثلاثاء المقبل بتوقيت بيروت لتظهر عندها القدرة على وضع جدول المقارنة بين الأوهام التي عصفت برؤوس من قاد الى الحرب لإسناد دولة لم تتمكن من اعادة الهدوء الى اراضيه ومجموعة الحقائق التي ستبدأ بالظهور تباعا ومنها تلك التي تثبت بأنه لا مخرج مما نعيشه من ويلات لا يمكن ولوجه قبل البت بمصير السلاح غير الشرعي إيرانيا كان ام من أي هوية أخرى، ليكون قرار الحرب والسلم على عاتق الحكومة اللبنانية والقيادات العسكرية والامنية لضمان تنفيذ أي تفاهم يمكن التوصل اليه وفق مسار طويل الأمد.