المصدر: eremnews
الخميس 3 أيلول 2026 17:57:40
في مؤشر لافت على التغيرات التي طرأت على حركة الطاقة عبر مضيق هرمز، كشف وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت عن عبور أكثر من 17 مليون برميل من النفط والمشتقات عبر المضيق، الاثنين الماضي، في أعلى مستوى يومِي لتدفقات الطاقة عبر الممر الحيوي منذ اندلاع الحرب مع إيران في الـ28 من فبراير/شباط 2026، مقتربًا من المعدلات الطبيعية التي كانت تدور حول 20 مليون برميل يوميًّا قبل الحرب.
لكنّ الارتفاع الكبير في حجم التدفقات لا يعني عودة الملاحة إلى طبيعتها، إذ تعرّضت ناقلتان لهجمات بعد خروجهما من الممر، في تطوّر أعاد طرح السؤال حول طبيعة الوضع الجديد في المضيق: هل بدأت إيران تفقد قدرتها على فرض حصار فعلي على أحد أهم ممرات الطاقة في العالم، أو أن واشنطن نجحت فقط في فتح نافذة عبور مؤقتة تعمل تحت مظلة عسكرية وفي بيئة شديدة الخطورة؟.
وتشير تقديرات متداولة في الأوساط العسكرية والاستخباراتية إلى أن تدفق أكثر من 17 مليون برميل في يوم واحد لا يعكس بالضرورة عودة حركة الملاحة إلى مستوياتها المعتادة، وإنما قد يكون نتيجة ترتيبات تشغيلية استثنائية اعتمدت على تنظيم حركة عدد كبير من الناقلات ضمن نوافذ زمنية محددة، والاستفادة من الممر الملاحي المحاذي للمياه الإقليمية العُمانية، بالتوازي مع إجراءات حماية ومراقبة أمريكية.
"حشد تكتيكي" للناقلات
ويوضّح تشارلز والاس، الباحث الأمريكي المتخصص في الإستراتيجيات البحرية وأمن الممرات الحيوية بواشنطن، لـ"إرم نيوز"، أن ما حدث لا يمكن اعتباره استقرارًا كاملًا في حركة الملاحة، وإنما يمثل "عملية حشد وتنظيم تكتيكي لأسطول ضخم" بهدف تمرير أكبر كمية ممكنة من شحنات الطاقة خلال فترة زمنية محدودة.
ويقول والاس إن القوات البحرية الأمريكية وشركاءها عملوا على تنظيم حركة عشرات الناقلات في نقاط إسناد خلفية، قبل دفعها ضمن مجموعات عبور منظمة، بما يسمح بتقليل فترة تعرّضها للمخاطر داخل المضيق والمناطق المحيطة به.
ويضيف أن الناقلات التي شاركت في موجة العبور شملت سفنًا مرتبطة بدول خليجية وشركات آسيوية، فيما أسهمت زيادة الإمدادات القادمة عبر خطوط نقل بديلة، في دعم تدفقات الطاقة الإقليمية خلال تلك النافذة الزمنية.
ويشير إلى أن الهدف الأمريكي لا يقتصر على تمرير شحنات النفط، وإنما يتمثل أيضًا في اختبار قدرة واشنطن على إبقاء حركة الطاقة العالمية قائمة رغم محاولات إيران استخدام المضيق كورقة ضغط إستراتيجية.
ضربات بعد العبور
ولم تمر موجة العبور القياسية من دون رد إيراني، إذ أفادت تقارير بتعرض ناقلتين على الأقل لهجمات بعد خروجهما من الممر الملاحي، وسط حديث عن استخدام ألغام بحرية وطائرات مسيّرة.
ويرى مبشر شهزاد، مستشار أمن الملاحة في إسلام آباد، أن استهداف الناقلتين يحمل دلالة تتجاوز الحادث البحري نفسه، معتبرًا أن طهران أرادت توجيه رسالة إلى شركات الشحن بأن زيادة حركة الناقلات عبر المضيق لا تعني بالضرورة انتهاء المخاطر.
ويقول شهزاد لـ"إرم نيوز" إن استهداف الناقلتين بعد موجة العبور الكبيرة يمثل محاولة لضرب نموذج "العبور الجماعي" الذي تحاول واشنطن ترسيخه، موضحًا أن إيران تدرك أن السماح بعودة تدفقات النفط إلى مستويات مرتفعة سيضعف تدريجيًّا قدرتها على استخدام هرمز كأداة ضغط على الاقتصاد العالمي.
ويضيف أن توقيت الهجمات، إذا ثبت ارتباطها بموجة العبور، يحمل رسالة واضحة مفادها أن طهران لا تزال قادرة على رفع تكلفة الملاحة حتى في حال تمكنت الولايات المتحدة من تنظيم عمليات عبور واسعة.
عبور عالي المخاطر
وفي وقت تبدو فيه أرقام تدفقات النفط وكأنها تشير إلى استعادة جزء كبير من حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، تكشف المنظمة البحرية الدولية عن صورة أكثر تعقيدًا، إذ لا تزال المخاطر الأمنية تفرض نفسها بقوة على السفن وأطقمها، بما يجعل ارتفاع حجم العبور خلال يوم واحد مؤشرًا على قدرة محدودة على فتح الممر، وليس بالضرورة عودة الملاحة إلى طبيعتها.
وقالت ناتاشا براون، المتحدثة باسم المنظمة البحرية الدولية، لـ"إرم نيوز"، إن المنظمة تحققت حتى الآن من 68 هجومًا استهدف سفنًا تجارية في مضيق هرمز وحوله، أسفرت عن مقتل 19 بحارًا، محذرة من تعريض أطقم السفن لمخاطر يمكن تجنبها، خصوصًا في ظل عدم وجود معلومات مؤكدة لدى المنظمة بشأن وضع الألغام في المضيق أو محيطه.
وأضافت براون أن نحو 6 آلاف بحار لا يزالون عالقين على متن قرابة 500 سفينة في الخليج العربي منذ بداية الصراع، معتبرة أن استمرار بقائهم في هذه الظروف يمثل تحديًا إنسانيًّا وأمنيًّا كبيرًا، في وقت تتواصل فيه المخاطر التي تواجه حركة الملاحة.
وتتزامن هذه التحذيرات مع مخاوف أوسع من امتداد الاضطراب البحري إلى خليج عدن، حيث أكدت المنظمة وجود 6 سفن محتجزة وأكثر من 90 فردًا من أطقمها لدى قراصنة ومسلحين، محذّرة من أن تدهور الوضع الأمني قد يفتح الباب أمام عودة القرصنة إلى المنطقة، بما يضيف جبهة جديدة إلى المخاطر التي تواجه التجارة البحرية الدولية.
واشنطن تختبر حدود الورقة الإيرانية
وتعكس تصريحات وزير الطاقة الأمريكي ثقة متزايدة لدى واشنطن بإمكانية الحد من قدرة إيران على استخدام مضيق هرمز كسلاح اقتصادي، خصوصًا إذا تمكنت الولايات المتحدة وحلفاؤها من الجمع بين الحماية البحرية، وتنظيم حركة الناقلات، وتفعيل طرق نقل بديلة خارج المضيق.
فالرهان الأمريكي لا يقوم فقط على إعادة فتح المضيق بصورة كاملة، وإنما على إثبات أن تعطيل هرمز لم يعد كافيًا لشل تدفقات الطاقة العالمية، وأن الأسواق يمكنها الاعتماد جزئيًّا على مسارات بديلة وعلى عمليات عبور منظمة تحت الحماية العسكرية.
لكن هذه المعادلة تظل محفوفة بالمخاطر؛ لأن استمرار استهداف السفن بعد عبورها الممرات الآمنة قد يرفع تكاليف التأمين والشحن، ويجعل شركات الملاحة أكثر تحفظًا في العودة إلى المنطقة، حتى لو ارتفعت أرقام التدفقات النفطية مؤقتًا.
"نافذة عبور" لا عودة إلى الوضع الطبيعي
ورغم تسجيل أكثر من 17 مليون برميل في يوم واحد، فإن المعطيات لا تشير بالضرورة إلى أن حصار مضيق هرمز قد انهار بصورة كاملة، كما أن الرقم القياسي لا يعني عودة الحركة البحرية إلى مستويات ما قبل الحرب.
والأقرب أن ما حدث يمثل "نافذة عبور عالية المخاطر" نجحت واشنطن في فتحها بصورة تكتيكية، من خلال تنظيم حركة الناقلات وتوفير مظلة أمنية تسمح بتمرير كميات ضخمة من النفط خلال فترة زمنية قصيرة.
وتكشف هذه التجربة في الوقت نفسه أن معركة هرمز دخلت مرحلة جديدة، فإيران لم تعد تواجه فقط محاولة لإعادة فتح المضيق، وإنما تواجه اختبارًا أمريكيًّا لقدرتها على الحفاظ على نفوذها في الممر حتى عندما تتمكّن واشنطن من إعادة تحريك جزء كبير من تدفقات الطاقة.
هل يتحوّل العبور الاستثنائي إلى مسار دائم؟
ويبقى التحدي الحقيقي أمام واشنطن خلال المرحلة المقبلة هو تحويل نافذة العبور الاستثنائية إلى حركة أكثر انتظامًا، من دون دفع شركات الشحن إلى الانسحاب مجددًا بفعل المخاطر الأمنية.
وفي المقابل، ستواجه طهران معادلة أكثر تعقيدًا، فكلما نجحت الولايات المتحدة في تمرير كميات أكبر من النفط والغاز، تراجعت القيمة الاقتصادية لورقة هرمز، بينما قد يؤدي تصعيد الهجمات على الناقلات إلى استدعاء حماية أمريكية أوسع وتشديد الضغط العسكري عليها.