المصدر: Kataeb.org
الكاتب: زخيا زغيب
الاثنين 15 حزيران 2026 19:30:57
في كل دول العالم، يُحاسَب صاحب القرار. هذه قاعدة بديهية لا تحتاج إلى اجتهادات سياسية أو خطابية لتغييرها. لكن في لبنان، يحاول البعض مرة جديدة قلب المعادلة، بحيث يصبح من لم يتخذ قرار الحرب مسؤولًا عنها، فيما يُعفى من أشعلها من أي مساءلة.
في موقفه الأخير، قدّم المفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان مقاربة للواقع اللبناني تنقلب فيها الوقائع رأسًا على عقب، حين حمّل الحكومة اللبنانية مسؤوليات لا تمتّ إلى صلاحياتها ولا إلى قرارها بصلة، متجاوزًا جوهر الأزمة التي يعيشها لبنان اليوم.
فالحكومة الحالية، مهما كانت طبيعة أدائها أو مستوى الخلاف السياسي حولها، ليست هي صاحبة قرار الحرب على إسرائيل، وليست هي من فتح الجبهة الجنوبية، وليست هي من تسبب بالدمار الواسع الذي أصاب البلدات، ولا مليون ومئتي نازح، ولا العشرة آلاف ضحية، والثمانية والعشرين ألف جريح، الذين سقطوا نتيجة مسار عسكري لم يُتخذ داخل المؤسسات الدستورية اللبنانية.
ولو كانت الحكومة فعلًا هي صاحبة قرار الحرب، لكان من الطبيعي أن تُحاسَب وفق الأصول الدستورية المعروفة، عبر مجلس النواب المنتخب من الشعب اللبناني، صاحب الصلاحية في منح الثقة أو حجبها ومساءلة السلطة التنفيذية. لكن هذا ليس واقع الحال.
فالوقائع واضحة: قرار الحرب لم يصدر عن الدولة اللبنانية، بل عن فصيل مسلح، يمتلك قرار الحرب والسلم خارج إطار المؤسسات الدستورية، ويرتبط مشروعه السياسي والعسكري بإيران كراعية وداعمة، من دون أي تفويض من الشعب اللبناني أو أي شرعية دستورية تخوّله جرّ البلاد إلى مواجهة مفتوحة بهذا الحجم.
ومن هنا، فإن تحميل الحكومة مسؤولية ما لم تقرره أصلًا، ليس قراءة سياسية دقيقة، بل هو قلب للمعادلة، يُحوّل الدولة إلى متهم، ويُعفي الطرف الذي امتلك وحده قرار فتح الحرب من أي مساءلة، وهو ما لا يستقيم لا مع المنطق ولا مع الدستور.
أما في ما يتعلّق بالاعتراض على الحكومة والدعوة إلى تغييرها، فإن منطق الأمور يفترض أولًا أن ينسحب كل طرف غير راضٍ عن أداء الحكومة من داخلها، بدل البقاء فيها من جهة، ورفع سقف إسقاطها من جهة أخرى. فالمشاركة في السلطة لا تتجزأ، ولا يمكن تحويل الحكومة إلى ساحة تحميل مسؤوليات فقط عند الحاجة السياسية.
لكن الأكثر خطورة في الخطاب الذي طُرح، هو الحديث عن "الانتصار"، وكأن الواقع الميداني يسمح بهذا التوصيف. ففي اللحظة نفسها التي صدر فيها هذا الخطاب، كانت النبطية لا تزال تحت التهديد المباشر بالقصف، فيما كانت بلديتها تناشد السكان التريث في العودة إلى منازلهم، في مشهد يلخّص حجم الفجوة بين الخطاب والواقع.
ولا تبدو معادلة الانسحاب الإسرائيلي كاملة أو محسومة، إذ لا يزال الجنوب يعيش تحت ضغط ميداني وأمني مستمر، فيما تتعامل إسرائيل مع جبهة لبنان ضمن حساباتها الخاصة بعيدًا عن أي استقرار نهائي أو التزامات واضحة، ما يجعل الحديث عن "نهاية الحرب" أو "الانتصار النهائي" أقرب إلى التوصيف السياسي منه إلى الوقائع على الأرض.
كما أن المفارقة السياسية لا يمكن تجاهلها، إذ إن حلفاء حزب الله أنفسهم كانوا قد وضعوا معايير مختلفة لما يسمى "النصر". ففي 8 نيسان، صرّح سليمان فرنجية أن معيار النصر هو إسقاط الحكومة، إلا أن الحكومة لم تسقط، بل ما زالت قائمة وتواصل عملها السياسي والدبلوماسي، بما في ذلك متابعة ملفاتها الخارجية.
إن المشكلة اليوم ليست في اختلاف سياسي داخلي حول إدارة الدولة، بل في محاولة فرض رواية موازية للواقع، تُحوّل الفعل العسكري غير الدستوري إلى "انتصار"، وتُحوّل نتائج الحرب الميدانية إلى إنجاز سياسي، فيما الحقيقة أن لبنان دفع الثمن الأكبر: دمار واسع، اقتصاد منهك، ومجتمع يعيش تداعيات قرار لم يكن جزءًا منه.
في النهاية، لا يمكن بناء دولة على قلب الوقائع. ولا يمكن تحميل المؤسسات الشرعية نتائج قرارات اتُخذت خارجها. فالمحاسبة تبدأ من مكان واحد فقط: من يقرر الحرب يتحمّل مسؤوليتها، لا من يُطلب منه إدارة نتائجها.