المصدر: إرم نيوز
الجمعة 23 تشرين الأول 2026 11:12:20
كشف مصدر أمني لبناني لـ"إرم نيوز" عن خلافات داخل حزب الله بشأن الموقف من احتمال اندلاع حرب جديدة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، في ظل تباين بين القيادات السياسية التي تعارض الانخراط في مواجهة جديدة، والقيادات العسكرية التي تنتظر موقف الحرس الثوري الإيراني لتحديد خياراتها.
وأوضح المصدر أن الجناح السياسي يرى أن دخول حرب جديدة سيضاعف الخسائر التي تكبدها الحزب وبيئته الاجتماعية، ويهدد ما تبقى من نفوذه داخل مؤسسات الدولة اللبنانية، خصوصاً مع تصاعد الضغوط الحكومية والدولية لنزع سلاحه.
في المقابل، أشار إلى أن القيادات العسكرية لا تتعامل مع احتمال المواجهة باعتباره قراراً لبنانياً منفصلاً عن الحسابات الإيرانية، وإنما تنتظر التوجهات التي ستصدر عن الحرس الثوري في حال تعرضت إيران لهجوم أمريكي إسرائيلي جديد.
وبحسب المصدر، فإن خطورة الخلاف لا تكمن في تباين المواقف وحده، بل في تراجع قدرة السياسيين على التأثير في القرارات العسكرية، بما فيها الخيارات الاستراتيجية المتعلقة بالدخول في الحرب، مقارنة بما كان عليه الوضع خلال قيادة حسن نصر الله.
سياسيون يخشون تكرار الكارثة
يربط المصدر معارضة القيادات السياسية للمشاركة في حرب جديدة بجملة اعتبارات داخلية، أبرزها الخسائر البشرية والمادية التي خلفتها المواجهات السابقة، وأزمات النزوح وإعادة الإعمار، وتراجع قدرة الحزب على تحمل مواجهة عسكرية واسعة.
ويضيف أن السياسيين يدركون أن أي تصعيد جديد سيضعهم أمام مواجهة أكثر تعقيداً مع الدولة اللبنانية، بعدما انتقلت الحكومة من المطالبة بتنظيم السلاح إلى اتخاذ إجراءات لحصر النشاط العسكري والأمني بيد المؤسسات الرسمية.
وتتزامن هذه المخاوف مع تحركات سياسية لبنانية لمنع انجرار البلاد إلى مواجهة إقليمية جديدة، يقود جانباً منها رئيس البرلمان نبيه بري، الذي يواصل أداء دور الوسيط بين الحزب ومؤسسات الدولة.
وفي تطور لافت، نقلت وسائل إعلام لبنانية أن بري حذر حزب الله من المشاركة في أي حرب جديدة ضد إيران، بينما أبدى رئيس كتلة الوفاء للمقاومة محمد رعد، خلال لقاء مع مسؤول قطري، انفتاحاً على تجنب التصعيد. وتعزز هذه المعطيات وجود توجه سياسي لتفادي الحرب، لكنها لا تثبت أن هذا الموقف أصبح ملزماً للقيادة العسكرية.
العسكريون ينتظرون الحرس الثوري
على الجانب الآخر، يقول المصدر الأمني إن إعادة الهيكلة التي شهدها حزب الله بعد اغتيال نصر الله وكبار قادته العسكريين أدت إلى تعزيز قنوات الاتصال المباشر بين المجلس الجهادي والحرس الثوري، مقابل تقليص دور القيادات السياسية في التأثير على الخيارات العسكرية.
وكان تحقيق لوكالة رويترز، نشر في مارس الماضي، كشف أن الحرس الثوري أرسل ضباطاً إلى لبنان للمشاركة في إعادة تنظيم القيادة العسكرية للحزب، وأن التغييرات شملت الانتقال إلى وحدات صغيرة ذات استقلالية ميدانية أكبر، بعد الاختراقات الأمنية التي تعرض لها التنظيم.
كما نقل التحقيق عن مصادر مطلعة أن ضباطاً إيرانيين شاركوا في إعداد خطط عسكرية وتنسيق عمليات مشتركة خلال المواجهة السابقة.
ويرى المصدر اللبناني أن هذا الارتباط يفسر انتظار العسكريين الموقف الإيراني من الحرب المقبلة، لكنه يشدد على أن قرار المشاركة لم يُحسم بعد، وأن الاستعدادات العسكرية لا تعني بالضرورة صدور أوامر بفتح الجبهة اللبنانية.
سابقة مارس تثير المخاوف
تستحضر الخلافات الحالية تجربة مارس/ آذار 2026، عندما قرر حزب الله إطلاق صواريخ باتجاه إسرائيل عقب اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.
فقد كشفت رويترز آنذاك أن عدداً من كبار المسؤولين السياسيين في الحزب لم يكونوا على علم مسبق بقرار الهجوم، رغم موافقة مجلس الشورى والمجلس الجهادي عليه، ما أحدث ارتباكاً داخل الدوائر السياسية.
وأثارت العملية خلافاً مع نبيه بري، الذي كان قد تلقى تطمينات بعدم انخراط الحزب في مواجهة جديدة، قبل أن يجد نفسه أمام تصعيد عسكري واسع.
ويقول المصدر إن هذه التجربة لا تزال حاضرة في النقاشات الداخلية، خصوصاً لدى القيادات السياسية التي تخشى تكرار سيناريو اتخاذ قرار عسكري تتولى لاحقاً الدفاع عن نتائجه أمام الدولة والرأي العام اللبناني.
لكن اللافت أن الرسائل الإيرانية السياسية الأخيرة لا تتطابق بالضرورة مع هذه المخاوف؛ إذ نقلت تقارير عن مسؤول إيراني زار بيروت تأكيده أن طهران لا تطلب من حزب الله التدخل لمساندتها في حرب جديدة.
ويطرح هذا التباين سؤالاً حول مدى تطابق الرسائل الدبلوماسية الإيرانية مع التعليمات التي قد يصدرها الحرس الثوري لحزب الله وباقي الميليشيات في المنطقة، حال اندلاع المواجهة.
من يملك قرار الحرب؟
تضع هذه التطورات حزب الله أمام معضلة تتجاوز الخلاف التقليدي بين العمل السياسي والعسكري، وتتعلق بحدود سلطة قيادته السياسية على قرار يمكن أن يجر لبنان إلى مواجهة جديدة.
فبينما تسعى القيادات السياسية إلى حماية ما تبقى من حضور الحزب داخل الدولة، تظل حسابات القيادة العسكرية مرتبطة بطبيعة المواجهة الإقليمية وموقف الحرس الثوري.
ولا تتوافر مؤشرات مؤكدة على تحول التباينات إلى انقسام تنظيمي معلن، لكن المعلومات التي كشفها المصدر تشير إلى وجود خلاف بشأن الأولويات وحدود المشاركة في أي حرب مقبلة.
ويبقى الاختبار الأساسي مرتبطاً بقدرة القيادة السياسية على تحويل اعتراضها إلى قرار ملزم، أو الاكتفاء بمحاولة احتواء تداعيات مواجهة قد تُحسم خياراتها عبر القنوات العسكرية.
بين الكلفة اللبنانية و الحسابات الإقليمية
وفي قراءته لهذا التطور، يقول الباحث والخبير الاستراتيجي محمد يوسف النور لـ"إرم نيوز"، إن الخلاف داخل حزب الله بشأن المشاركة في حرب جديدة إلى جانب إيران هو انعكاس لتباين عميق في حسابات الجناحين السياسي والعسكري، وليس بالضرورة مؤشراً على انقسام تنظيمي.
ويشير إلى أن القيادات السياسية تنظر إلى الحرب من زاوية الكلفة اللبنانية، بعدما أصبحت تواجه ضغوطاً داخلية متزايدة بشأن السلاح، إلى جانب أعباء إعادة الإعمار والخسائر الاجتماعية والاقتصادية. أما القيادات العسكرية، فتتعامل مع احتمال المواجهة ضمن حسابات إقليمية أوسع ترتبط بعلاقة الحزب بالحرس الثوري الإيراني.
وتكمن خطورة هذا التباين، وفقا للخبير النور في أن السياسيين قد لا يمتلكون القدرة الفعلية على تعطيل قرار عسكري يتخذ عبر قنوات التنسيق مع طهران، رغم أنهم سيتحملون تبعاته أمام الدولة والمجتمع اللبناني.
ويخلص إلى القول بأنه إذا استمر هذا الاختلال، فقد يجد الحزب نفسه أمام أزمة في وحدة القرار، خصوصاً أن أي حرب جديدة لن تختبر قدراته العسكرية وحدها، بل ستضع مستقبله السياسي وعلاقته بالدولة اللبنانية أمام تحديات أكثر تعقيداً.