بيروت تكبّل سلاح حزب الله.. استنفار سياسي وأمني لانتزاع قرار "الحرب والسلم"

تبحث السلطات اللبنانية تشديد الإجراءات السياسية والأمنية لمنع ميليشيا حزب الله من تنفيذ عمليات عسكرية مرتبطة بالمواجهة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، وسط تحركات لتفعيل قرارات حصرية السلاح بيد الدولة، وتوسيع التنسيق بين رئاستي الجمهورية والحكومة وقيادة الجيش، في ظل مخاوف من استخدام طهران الأراضي اللبنانية مجددًا في صراعاتها الإقليمية، وتعريض البلاد لمواجهة عسكرية جديدة.

وتأتي التحركات بعد تحذير وزير الخارجية يوسف رجّي، من احتمال إقدام "حزب الله" على جر لبنان إلى الحرب بطلب إيراني، وتأكيده استمرار العمل بقرارات الحكومة التي تحظر النشاطين العسكري والأمني للحزب، بالتزامن مع تشديد رئيس الوزراء نواف سلام على احتكار المؤسسات الدستورية قرار الحرب والسلم، وملاحقة حيازة الأسلحة ونقلها خارج الأطر القانونية.

خطوط بيروت الحمراء
وكشفت مصادر سياسية لبنانية مطلعة على التنسيق بين رئاستي الجمهورية والحكومة، لـ"إرم نيوز"، أن المناقشات تركز على تحديد الإجراءات الحكومية المطلوبة إذا أقدم "حزب الله" على تنفيذ عمليات مسلحة عبر الحدود، أو استخدام الأراضي اللبنانية لإسناد أي تحرك عسكري إيراني في المنطقة.

وأوضحت المصادر أن التصورات المطروحة تشمل إصدار توجيهات إضافية إلى الوزارات والأجهزة المختصة لتوثيق المخالفات المرتبطة بنقل الأسلحة أو تجهيز مواقع عسكرية، وإحالة الوقائع التي تتوافر بشأنها أدلة إلى المراجع القضائية المختصة، مع تعزيز التنسيق السياسي لتفادي تضارب التعليمات بين المؤسسات.

وتتناول المشاورات، وفق المصادر، كيفية التعامل مع تحرك من الحزب فيما يتعلق بمشاركة عسكرية في أي مواجهة إقليمية تسعى إيران لتصعيدها، مع التمسك بصلاحيات مجلس الوزراء في تحديد السياسة العامة للدولة، ودور المؤسسة العسكرية في تنفيذ القرارات الأمنية وفق القوانين النافذة.

إجراءات أمنية لمواجهة تحركات الحزب
وتستند المناقشات إلى قرارات سابقة اتخذتها الحكومة بشأن حصر السلاح بالمؤسسات الشرعية، وخطة الجيش لتنفيذها على مراحل، فيما أكد سلام خلال جلسة حكومية أن تخزين الأسلحة ونقلها من جانب جهات غير مخولة يشكل مخالفة تستوجب تدخل الأجهزة الأمنية والقضاء.

وأفاد مصدر أمني لبناني مطلع، بأن الإجراءات التي يجري بحثها تركز على تحسين تبادل المعلومات المتعلقة بأي تحركات مسلحة لميليشيا حزب الله، وتسريع إحالة المخالفات المثبتة إلى الجهات القضائية، مع مراجعة آليات التنسيق بين الوحدات العسكرية والأجهزة المكلفة بالأمن الداخلي.

وأشار لـ"إرم نيوز" إلى أن التعامل مع أيّ نشاط عسكري خارج سلطة الدولة يخضع لطبيعة الوقائع المسجلة والصلاحيات القانونية لكل جهاز، وأن القرارات المتعلقة بالإجراءات الأوسع تتطلب توجيهات واضحة من السلطات المختصة، خصوصًا في الحالات التي قد تنطوي على احتكاكات مسلحة أو تهديد للاستقرار الداخلي.

وتشمل الترتيبات التي ناقشتها الجهات المعنية، بحسب المصدر، تعزيز الإجراءات الوقائية في المناطق المعرضة للتوتر، وتكثيف التعاون بشأن ضبط شحنات الأسلحة والمتفجرات غير القانونية، وتفعيل مسارات التحقيق في الحوادث التي تشير إلى نشاط مجموعات مسلحة خارج قيادة المؤسسات الرسمية.

وكان الرئيس جوزيف عون وجّه خلال اجتماعات أمنية سابقة إلى تشديد منع المظاهر المسلحة وتسريع التحقيقات والتنسيق بين الجيش والأجهزة الأمنية، مع تأكيد أهمية انتشار المؤسسات الشرعية في المناطق الجنوبية التي تسمح الظروف الميدانية بالعمل فيها.

القرار العسكري وتدخلات إيران
وتتزامن هذه الإجراءات مع تصاعد الخلاف السياسي بشأن استمرار امتلاك "حزب الله" قدرات عسكرية مستقلة، وتمسّك الحكومة اللبنانية بقرارات حظر أنشطته المسلحة، في وقت تتهم أطراف رسمية لبنانية إيران بمواصلة دعم الحزب واستخدامه لخدمة مصالحها الإقليمية.

وكان رجّي طالب طهران خلال اجتماعات منظمة التعاون الإسلامي بوقف إمداد الحزب بالأسلحة والأموال والتدخل في القرارات اللبنانية، فيما أكد سلام للرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، خلال لقائهما في سبتمبر/أيلول الماضي، رفض تحويل لبنان إلى ساحة للمواجهات الإقليمية.

وبحسب المصادر السياسية، فإن الاتصالات بين المسؤولين اللبنانيين تشمل التأكيد للشركاء الدوليين أن أي عمليات عسكرية ينفذها "حزب الله" خارج المؤسسات الشرعية لا تمثل قرار الحكومة اللبنانية، مع طلب دعم الجيش وممارسة ضغوط دبلوماسية لمنع اتساع المواجهة.

وأوضحت أن الحكومة تسعى أيضًا إلى إلزام الأطراف الخارجية باحترام سيادة لبنان، خصوصًا في ظل استمرار العمليات الإسرائيلية والاحتفاظ بمواقع داخل الأراضي اللبنانية، وما يفرضه ذلك من تعقيدات على انتشار الجيش وتنفيذ قرارات الدولة.

جاهزية أمنية لحماية الاستقرار
وفي الجانب الأمني، لفت المصدر إلى أن المؤسسة العسكرية تعمل ضمن الصلاحيات الممنوحة لها، وأن التعامل مع أي محاولة لجر لبنان إلى عمليات عسكرية إقليمية يتطلب تنسيقًا بين السلطات السياسية والقضائية والأمنية، مع مراعاة حماية المدنيين واستقرار المناطق السكنية.

وتزداد أهمية هذه الترتيبات مع اقتراب انتهاء مهمة قوات "اليونيفيل" في 31 ديسمبر/كانون الأول المقبل، واستمرار الاتصالات اللبنانية مع واشنطن والدول الأوروبية لضمان وجود دعم دولي للجيش في الجنوب.

وتواجه الحكومة بذلك مسؤولية تنفيذ قراراتها بشأن السلاح والنشاط العسكري غير الشرعي، في وقت تتزايد فيه المخاوف من أن يؤدي ارتباط حزب الله بالإستراتيجية الإقليمية لطهران إلى تجدد المواجهة مع إسرائيل، وتحميل لبنان تبعات قرارات عسكرية تُتخذ خارج مؤسساته الدستورية.