المصدر: الوكالة المركزية
الكاتب: جوانا فرحات
الجمعة 1 أيار 2026 14:44:44
في كل مرة يطرح فيها ملف العفو العام تبرز إشكالية الطائفية وضرورة العودة إلى صيغة 6 و6 مكرر. هذه المرة المسألة تختلف في التوقيت والتفاصيل والاستثناءات. فللمرة الأولى التي يوضع فيها قانون العفو العام على طريق الإقرار من خلال متابعته بشكل جدي من قبل اللجان النيابية المشتركة والهدف في الظاهر معالجة أزمة اكتظاظ السجون والأوضاع الإنسانية والقانونية الصعبة، وضمنا معالجة ملف الموقوفين الإسلاميين وموقوفين من طرابلس الذين فروا إلى سوريا ولم يحاربوا في لبنان بل في سوريا، وقد تم التعامل معهم بصفة الارهاب "علما ان حزب الله ايضا قاتل في سوريا ولم يتم التعامل معه بصفة الارهاب ولم يحاكم ايا من عناصره" على ما يقول المحامي محمد صبلوح. ويتابع أن هناك أحكاما اعتباطية صدرت عن المحكمة العسكرية وآخرها السجن مدة عام لشاب بتهمة الإرهاب بسبب ضبطه الإستماع إلى أناشيد دينية، هذه أحكام استنسابية ولا يجوز السكوت عنها بعد اليوم .
ويضيف" لا يجوز الحديث عن عفو عام فيما يُصار إلى تفصيله على قياس توازنات سياسية . ويرى صبلوح أن الإشكالية لا تكمن فقط في الاستثناء بحد ذاته، بل في ما يعكسه من مقاربة انتقائية للعدالة، حيث تُعالج بعض الملفات بمرونة، فيما تُشدّد القيود على أخرى ذات طابع سياسي أو أمني. ويؤكد في هذا السياق أن الموقوفين الإسلاميين تحوّلوا إلى ضحية هذه الازدواجية، مشيرًا إلى أن عددًا كبيرًا منهم أمضى سنوات طويلة في السجن من دون محاكمات عادلة أو أحكام مبرمة، ما يطرح علامات استفهام جدية حول سلامة الإجراءات القضائية التي اتُّبعت بحقهم. بالتوازي لا ينفي حساسية بعض القضايا المرتبطة بالأمن، إلا أنه يميّز بين من تثبت إدانتهم بجرائم خطيرة، وبين من لا تزال ملفاتهم عالقة أو يشوبها خلل قانوني، معتبرًا أن وضع الجميع في خانة واحدة يُعدّ ظلماً مضاعفا. من هنا، يدعو إلى مقاربة مختلفة، تقوم إمّا على شمول هذا الملف بالعفو وفق معايير عادلة وواضحة، أو على الأقل إعادة فتح الملفات وإجراء محاكمات شفافة تضمن حقوق المتهمين.
في موازاة البعد القانوني، يربط صبلوح هذا الملف بالسياق السياسي الأوسع، معتبرا أن العفو العام غالبا ما يُستخدم كورقة ضمن لعبة التوازنات الداخلية، ما يعرقل الوصول إلى حل شامل. ويحذّر من أن استمرار استثناء الموقوفين الإسلاميين لن يؤدي إلا إلى تعميق الشعور بالغبن لدى شريحة واسعة من اللبنانيين، ويزيد من فقدان الثقة بمؤسسات الدولة وقدرتها على تحقيق العدالة المتساوية.
بهذا المعنى، يتجاوز موقف صبلوح كونه دفاعًا عن فئة محددة، ليطرح إشكالية أعمق تتعلّق بمفهوم العدالة في لبنان: هل هي عدالة شاملة تُطبّق على الجميع بمعايير واحدة، أم عدالة مجتزأة تخضع لحسابات السياسة وتوازنات المرحلة؟ سؤال يبقى مفتوحًا بانتظار ما ستؤول إليه مسارات النقاش حول قانون العفو العام في المرحلة المقبلة.
وفيما يتواصل البحث والنقاش في جلسة اللجان النيابية المشتركة لبحث اقتراح قانون العفو العام واستكمال النقاشات في الإستثناءات الاثنين المقبل، برز منشور على صفحات التواصل الإجتماعي يهدد فيه اهالي الموقوفين الإسلاميين بتحريك الشارع في بيروت والشمال . وتشير المعطيات المتوافرة إلى وجود مخاوف من استثناءات واسعة تطال الموقوفين الإسلاميين، مما دفع الأهالي للمطالبة بعفو شامل لا يستثني أحداً، معتبرين أن "العفو المنقوص مرفوض". في هذا السياق يقول صبلوح أن استثناء الموقوفين الإسلاميين من قانون العفو الذي سيطرح على اللجان يوم الإثنين المقبل أعاد إلى الواجهة شعورًا متناميًا لدى عائلات هؤلاء الموقوفين وبيئاتهم بأنّ ثمة مقاربة انتقائية في التعاطي مع العدالة، حيث تُطرح تساؤلات حول المعايير المعتمدة في شمول بعض الجرائم أو القضايا بالعفو، مقابل استبعاد أخرى ذات طابع سياسي أو أمني.
يعارض بعض أهالي العسكريين إقرار القانون في هذا الظرف، مشيرًا إلى أنّ عناصر حزبية ارتكبت جرائم بحقّ عسكريين وخرجت من السجن ومنها من لفق التهم لشبان من طرابلس من السجن لكن على الرّغم من وجود اعتراض من الأهالي، إلا أنّنا نُؤكّد أنّ العرقلة الأساسية اليوم هي سياسية. ويضيف صبلوح"خضع الموقوفون الإسلاميّون للمحاكمة أمام المحكمة العسكرية التي تبيّن أنّ رؤساءها كانوا على تنسيق مع حزب الله والأجهزة الأمنية التي فبركت ملفات وسيناريوهات لا تستند إلى دليل. وإذا كانوا يرفضون أن يشمل قانون العفو العام الموقوفون الإسلاميون ، فلا مانع من إعادة فتح الملفات أمام قضاء عادل، لا سيّما بعد ثبوت تسييس المحاكم واعتراف العديد من النوّاب والمراجع بذلك".
ويشير صبلوح إلى بروز عقبات تحول دون إقرار القانون أبرزها وجود خلافات حول بنوده حيث يصر البعض على استثناءات أمنية، بينما يطالب آخرون بشمول الجميع، مما يعرقل الحسم، وعليه يكرر المطالبة بالحل الأمثل المطروح في مشروع القانون المرفوع إلى مجلس النواب وينص على تخفيض السنة السجنية إلى 6 أشهر، مما قد يؤدي إلى إطلاق سراح حكمي للعديد من الموقوفين.
بالأرقام هناك 1400 شخص أو موقوف صادرة في حقهم فقط إشارات، لا مذكرات توقيف، تماما كما أن ثمة عددا لا يستهان به ممن قضى في السجن مدة أطول من محكوميته وهؤلاء لا بد أن ينصفهم قانون العفو العام. لكن هناك أيضا جرائم يفترض أن يستثنيها القانون، ومنها تلك المتصلة بقتل العسكريين والقوى الأمنية، وكل ما يتعلق بالإرهاب، فالتوازن في الحق المبدئي لا يفترض حتما المسّ بمسار العدالة.