المصدر: المدن
الكاتب: لوسي بارسخيان
الأربعاء 17 حزيران 2026 11:14:00
إذا كانت قرى البقاع الغربي على حافة الجنوب اللبناني قد نالت حصّتها من الدمار الذي خلّفته الموجة الثالثة من العدوان الإسرائيلي على لبنان، منذ حرب إسناد غزة، فإن بلدة "سحمر" تحوّلت على إثرها إلى بلدة "منكوبة" بكل معنى الكلمة.
على الطريق إلى سحمر، غابت هذه المرّة مشاهد السيارات والحافلات التي أقلّت العائدين على إثر انتهاء جولتي الحرب السابقتين. استجاب معظم أهالي سحمر مع الدعوة التي وجّهتها إليهم البلدية للتريّث بالعودة، إلى حين التأكد من انتهاء العمليات الحربية بشكل رسمي. ولكنَّ تريثهم كما تبيّن لهم يكن امتثالاً لإرشادات الحفاظ على سلامة عائلاتهم فحسب، بل أيضاً لأنّ الكثيرين باتوا على يقين بأنه لم يعد لديهم في القرية بيتاً يعودون إليه.
يُحصي رئيس بلدية سحمر محمد الخشن في حديث لـِ "المدن" نحو 87 شهيداً سقطوا من أبناء البلدة منذ حرب إسناد غزة، إلى جانب تراكم أضرار الغارات المتكررة، التي يقدر أن يكون حجمها قد وصل إلى نحو ستين بالمئة من البيوت والمرافق والبنى التحتية في البلدة.
ويشير الخشن إلى أنَّ عدد المنازل التي هُدّمت بشكل كامل في الجولة الماضية وصل إلى 93 بيتاً، وارتفع العدد في الحرب الأخيرة إلى نحو 200، إضافة إلى تضرر أكثر من 1200 وحدة سكنية ومتجر بأشكال متفاوتة.
أصحاب المنازل المتضررة غير قادرين على العودة إلى سحمر، فمقومات الحياة، من مياه وكهرباء، انعدمت في البلدة أيضاً، بإنتظار استكمال الإصلاحات التي بدأتها شركة KVA التابعة لمؤسسة كهرباء لبنان. وقد شوهدت ورشُها على أعمدة التغذية ولو في يوم عطلة رسمية. هذا بالإضافة إلى ورش إزالة الركام وتنظيف مجاري المياه التي باشرت بها البلدية.
أمّا الطرق والجسور الأساسية التي تربط سحمر بالجنوب اللبناني، فما زالت مقطوعة، وخصوصاً بعد أن قصفت إسرائيل آخر طريق يربطها بمشغرة على تخوم بحيرة القرعون، فانضم إلى شرايين البلدة المقطوعة، حاله كحال الجسرين اللذيّن يربطان سحمر بالجنوب واللذيّن هدَّمتهما إسرائيل كليّاً في جولة الحرب السابقة.
بدا واضحاً أن إسرائيل حفرت عميقاً في الذاكرة الجماعية لأهالي البلدة من خلال هذه الغارة. ليس بسبب التهديدات التي طالت السدَّ بحدِّ ذاته، والقلق الذي أثارته من إغراق الجنوب بمياهه، وإنما بسبب الهمجية التي أظهرتها إسرائيل من خلال منع مسعف في الدفاع المدني وعنصر في كشافة الرسالة الإسلامية من إنقاذ عنصر الجيش الذي أُصيب في المكان، فقتلتهما قبل أن يتمكَّنا من الوصول إليه.
دمار شامل
في اليوم التالي لسير اتفاقية الهدنة المتجددة بقي المدخل المؤدي إلى هذا الجسر مقفلاً بأمر من الجيش اللبناني، "حتى إشعار آخر" كما ردد عنصر عند الحاجز المتمركز في المكان.
بعيداً عن هذه النقطة بكيلومترات قليلة، وبدءاً من مشارف بلدة سحمر، بدا المشهد مفتوحاً على دمار شامل لحق بعدد كبير من المنازل والمؤسسات، محطات البنزين، السيارات، خطوط التوتر العالي، مجاري المياه وغيرها من البنى التحتية. ولم يكن سهلاً بعد ثلاث جولات ميدانية متكررة لـِ "المدن" في المكان، التمييز بين الأضرار القديمة والحديثة. إلا أنَّ العلامة الفارقة بقيت في حي "الحسينية" بالذات، أقدم أحياء سحمر الذي حوَّلته إسرائيل إلى ركامٍ تام.
من أمام نافذة في مكتبه بمقر بلدية سحمر الذي تضرر أيضاً نتيجة عصف الغارة التي استهدفت الحسينية، يكشف الخشن عن الخلفيات التي تجعل أهالي سحمر يتألمون بشكل أكبر على هدم هذه الحسينية بالذات، ويصرّون على الصمود في الأرض، ولو دفعوا الثمن غالياً.
يعود بالذاكرة إلى 9 حزيران من العام 1982 تاريخ بدء الاحتلال الإسرائيلي للبلدة، حينها استمر سنتين ونصف تقريباً. فيروي كيف بنى أهالي البلدة هذه الحسينية من أموالهم الخاصة بمبادرة من الإمام أسد الله حرشي. فشُيّد أولاً الطابق الأول على مساحة 650 متراً، متضمّناً حوزة علمية، سُميت حوزة الشهيد الأول. ويقول الخشن أن كلَّ رجال الدين والعلماء تخرّجوا منها. ثم بدأ البناء يكبر ليضم ضريح السيد محمد وهبي، أحد أئمة البلدة المتوفين في سنة 1968، الذي للمصادفة بقي محميّاً بسقف منع دماره الشامل، أثر الغارة الأخيرة.
ارتفع بناء الحسينية الذي تحدّى الاحتلال لاحقاً، وأصبح يضم مكتبة كبيرة، وقاعة للتعازي والمناسبات أطلق عليها اسم "قاعة الوحدة الوطنية"، وقاعة كبيرة أخرى يصفها الخشن بأنها "مفخرة" البلدة، مذكِّراً بإعجاب مفتي البقاع الراحل خليل الميس بها خلال زيارة له لسحمر بعد خروج إسرائيل من البلدة، وإشادته خصوصاً ببنائها تحت الاحتلال.
ويقول الخشن إن إسرائيل أرادت بغارتها على الحسينية أن تمحي قصة هذا الصمود لأهالي البلدة، كما أنها تنتقم من البلدة بسبب هويتها المقاومة منذ العام 1982. ولكنّه يشدد على أن البلدة كما الحسينية ستعودان أفضل مما كانتا وبإرادة الأهالي. لكن رغم هذا العزم، فإن حديث رئيس البلدية عن إعادة الإعمار يبدو محفوفاً بحذر تام حيال التطورات الأمنية المرتقبة خلال الأيام المقبلة.
وقد صادفت "المدن" في جولتها الميدانية على الأحياء المتضررة في القرية عدداً قليلاً من الأهالي عادوا إليها. وأبدى البعض رفضهم العودة النهائية إلى سحمر، حتى يتأكدوا من انتهاء العمليات الحربية فعلاً لا قولاً هذه المرة. وقال بعضهم إنهم سيحافظون على ملاجئهم في أماكن النزوح كي لا يفقدوا أماكنهم فيها. وبما يتعلق بالإعمار، عبّر آخرون عن أن مسألة إعادة بناء ما تهدّم مقرونة بإنتهاء الحرب بشكل نهائي.
كفر أهالي سحمر بالحروب التي عايشوها منذ العام 1982. وإذا كان بعضهم عضَّ على جرحه أمام تضحيات من سمّاهم بالـ "فدائيين" الذي استشهدوا على أرض الجنوب، فإنهم أجمعوا على أن الحرب الأخيرة "لا مثيل لها من حيث الهمجية. فخلال اجتياح العام 1982 لم تتعرض القرى إلى هذا الدمار الكبير". وعلى الرغم من ذلك لسان حالهم: "شعبنا بخير ومعنوياته بخير وصامد ولن تهزه الخسائر".