المصدر: المدن
الكاتب: جورج حايك
الجمعة 3 تموز 2026 11:44:50
تراقب بعض القوى السياسية اللبنانية، وفي مقدمها "القوات اللبنانية" و"الكتائب" وعدد من الشخصيات المستقلة، مواقف الرئيس نبيه بري و"حزب الله" المهدِّدة بإسقاط الاتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل، الذي وُقّع الأسبوع الفائت برعاية الولايات المتحدة الأميركية. لكن، ورغم تعامل هذه القوى بجدية مع تلك التهديدات، فإن المعطيات المتوافرة لديها تؤكد أن الأمور لا تزال، حتى الآن، في إطار المواقف السياسية والإعلامية، ولم ترتقِ إلى خطوات عملية.
في المقابل، نشطت لقاءات بين القوى المعارضة أو المتوجسة من الاتفاق، وبدا ذلك واضحاً في التنسيق بين بري والرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط من جهة، وبين بري ورئيس "التيار الوطني الحر" جبران باسيل من جهة أخرى. وقد أفادت مصادر مقرّبة من بري بأنه يعمل على تشكيل كتلة نيابية كبيرة لإسقاط اتفاق الإطار.
إلا أن أجواء القوى السياسية هذه لا تنظر بجدية إلى هذا الطرح، معتبرةً أن الاتفاق الإطار ليس معاهدة سلام، ولا اتفاقية دولية نهائية، ولا يرتّب التزامات دستورية تستوجب مساراً خاصاً لإقراره. فهو، بحسب هذه المصادر، إعلان نيات وخريطة طريق وإطار سياسي يمهّد لإنهاء حالة الحرب وإعادة الاعتبار إلى الدولة اللبنانية، وبالتالي فإن تحويله إلى مادة سجال دستوري ليس سوى محاولة لشراء الوقت وتعطيل مسار للدولة بدأ ولن يتوقف.
البلوك الشيعي يبقى الوحيد؟
وكشفت مصادر هذه القوى أن إبطال الاتفاق يكاد يكون مستحيلاً، قائلةً: "نملك أكثرية الثلثين في مجلس الوزراء، ولدينا أكثرية واضحة في مجلس النواب، وإذا احتكموا إلى الشارع لإسقاط الحكومة، فسيجدون الجيش اللبناني بانتظارهم".
وعن ميزان القوى داخل مجلس النواب، تجيب المصادر:"إذا افترضنا، جدلاً، أن الأمور بلغت هذا الحد، فلا نرى أن جبران باسيل سيسير في هذا الاتجاه، ولن يجرؤ على معارضة اتفاق يحظى بإجماع دولي ورعاية أميركية، ولا سيما أنه يسعى إلى رفع العقوبات الأميركية عنه. أما وليد جنبلاط، فقد أعلن أن لديه ملاحظات على الاتفاق، لكنه في الوقت نفسه ضد سلاح "حزب الله"، ولن يضع نفسه في مركب يتجه إلى الغرق". وتلفت المصادر إلى أن "البلوك الشيعي يبقى الوحيد الرافض للاتفاق بصورة جذرية، لكنه لا يملك وحده القدرة على إسقاطه، ولا يستطيع أن يجمع أكثر من 50 نائباً كحدّ أقصى".
وفي المقابل، تشير المصادر إلى أن غالبية النواب المسيحيين تؤيد الاتفاق، فيما تقف الكتل السنية خلف الموقف السعودي، ومن المرجح أن تسير في الاتجاه الذي ترسمه الرياض، ولا سيما بعد البيان الواضح الصادر عن مجلس التعاون الخليجي، الذي شدد على ضرورة إنهاء الحرب في لبنان، والوصول إلى السلام، وفصل لبنان عن إيران. أما الدروز، فلن يغردوا خارج هذا السرب. وتضيف أن موقفي رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام يشكلان عامل تأثير أساسياً في المجلس النيابي.
لكن هل تمتلك القوى السياسية تلك Plan B إذا تمكن بري من تأمين أكثرية نيابية لإسقاط الاتفاق؟
تجيب المصادر:"لنسلّم، جدلاً، أنهم نجحوا في تأمين أكثرية نيابية وأسقطوا الاتفاق، فإنهم سيرتكبون خطأً جسيماً، لأن الاتفاق ليس اتفاق سلام، بل يقوم على معادلة واضحة: انسحاب إسرائيل من الجنوب مقابل نزع سلاح "حزب الله". وبالتالي، إذا سقط الاتفاق، فلن تنسحب إسرائيل، وسيجد "الحزب" نفسه في مأزق". وتضيف أن "الاتفاق يشكل ضمانة لخروج إسرائيل، علماً أن كثيرين داخل إسرائيل لم يكونوا متحمسين له، معتبرين أن الدولة اللبنانية لن تنجح في تنفيذ المرحلة التجريبية، إلا أن الأميركيين ضغطوا على تل أبيب للمضي به"
البديل عن الاتفاق هو الحرب؟
وترى المصادر أن البديل عن الاتفاق هو الحرب، معتبرةً أن الحديث عن إمكان إخراج إسرائيل من لبنان عبر المفاوضات الأميركية - الإيرانية "مجرد وهم"، إذ لا إسرائيل مستعدة للانسحاب من دون معالجة نهائية لسلاح "حزب الله"، ولا الولايات المتحدة ترغب في انسحابها قبل تحقيق هذا الهدف.
ولا تأخذ القوى السياسية المؤيدة للاتفاق الإطار مواقف الرئيس بري على محمل الجد، مستندةً إلى أنه طلب عدم عرض الاتفاق على مجلس الوزراء، لأنه يدرك النتائج، وكذلك عدم طرحه في مجلس النواب. ورغم التباعد القائم بينه وبين الرئيس جوزاف عون، فإن الأخير فتح كوة في جدار العلاقة عندما أيّد في كلمته موقف بري الرافض للفتنة، وموقفه الداعي إلى حماية الجيش اللبناني باعتباره خطاً أحمر. وتؤكد المصادر أن هناك محاولات لتقريب وجهات النظر، وربما إعادة المياه إلى مجاريها قريباً بين الرئاستين الأولى والثانية.
وثمة معلومات لدى أوساط هذه القوى تفيد بأن بري رفع سقف مواقفه لاستيعاب الشارع الشيعي، لكنه رفض أي تحرك عملي وجدي لإسقاط الاتفاق الإطار. فهو أعلن أن الاتفاق "غير مقبول" و"أخطر بعشر مرات من اتفاق 17 أيار"، لكنه لم يدعُ إلى إسقاطه في الشارع، كما رفض التظاهرات الهادفة إلى إسقاط الحكومة، ولم يسحب وزراءه منها، وهي مؤشرات ترى فيها هذه الأوساط عناصر مهمة للبناء عليها في المرحلة المقبلة.
وبمعنى آخر، يبدو أن بري، وفق هذه المصادر، موافق ضمنياً على الاتفاق، لكنه لجأ إلى هذا الالتفاف السياسي لاحتواء الشارع الشيعي، وهو ما تحقق بالفعل، إذ انتهت التحركات خلال يوم واحد، رغم محاولات "حزب الله" حشد مناصريه. واكتفى بري، في نهاية المطاف، بالتحذير من الفتنة، فيما حيّد نفسه عن واجهة المشهد، تاركاً إدارة المرحلة لرئيسي الجمهورية والحكومة، في ما يشبه توزيعاً للأدوار، مع احتفاظه بسقف خطابي مرتفع يعارض الاتفاق، من دون أن يبادر إلى إسقاطه، وهو يدرك في قرارة نفسه أن ذلك لن يكون سهلاً، لأن الاتفاق يحظى بأكثرية نيابية ووزارية مؤيّدة له، إضافة إلى دعم دولي من مختلف عواصم القرار.