إسرائيل تفرض شروطها بالنار: لا انسحاب ولا توسيع ولا يونيفيل

لا تملأ الغارات فراغ المفاوضات فحسب، بل تعيد إسرائيل، بالنار، تحديد الشروط الّتي ستُستأنف على أساسها. فمن وادي الحجير والنبطيّة الفوقا إلى حولا والهبارية وكفرشوبا وعيتا الجبل، توزّعت الاعتداءات بين الغارات، والقصف المدفعيّ، وإحراق المنازل والمزروعات، والتوغّل داخل الأراضي اللبنانيّة. وبلغت الرسالة ذروتها مع رفع قوّة إسرائيليّة العلم فوق أحد المنازل شرقيّ كفرشوبا، في مشهد يتجاوز الاستعراض العسكريّ إلى محاولة تثبيت صورة احتلال مستدام.

وتزامن ذلك مع غارات عنيفة على المنصوري، وقصف حاريص ومنطقة الدمشقيّة وياطر ومحيط تلة علي الطاهر، وإحراق منازل في بيت ياحون. ولم يعد توزّع الاستهدافات عشوائيًّا، بل يرسم خريطة ضغط واسعة تمتدّ من الحدود إلى عمق قضاء النبطيّة، وتجمع بين السيطرة بالنار، وتدمير مقوّمات العودة، وتوسيع هامش الحركة البرّيّة.

إذًا، المعادلة باتت واضحة: المفاوضات متوقّفة، المنطقة التجريبيّة الثانية مجمّدة، الانسحاب الإسرائيليّ مؤجّل، ومستقبل اليونيفيل معلّق على اعتراض أميركيّ. أمّا إسرائيل، فتواصل تعديل الخريطة بالنار، مستفيدةً من دخول الملفّ اللبنانيّ في زمن الانتظار الانتخابيّ، إسرائيليًّا وأميركيًّا. وبذلك، لا يجري تجميد الأزمة إلى حين نضوج التسوية، بل يجري استهلاك الوقت المتاح لإضعاف شروط لبنان التفاوضيّة، فيما يُطلب منه التفاوض تحت النار والاستعداد لتسلّم الجنوب من دون انسحاب إسرائيليّ، أو مظلّة دوليّة، أو ضمانات أمنيّة قابلة للتنفيذ.

ثلاث لاءات إسرائيليّة

في موازاة التصعيد الميدانيّ، تتبلور ملامح الموقف الإسرائيليّ من المفاوضات في ثلاث لاءات أساسيّة: لا انسحاب من مرتفعات علي الطاهر، لا انتقال إلى منطقة تجريبيّة ثانية، ولا قبول بصيغة دوليّة واضحة لما بعد اليونيفيل.

وتكتسب مرتفعات علي الطاهر أهميّة خاصّة بسبب موقعها الاستراتيجيّ وإشرافها على مساحات واسعة من الجنوب. وبحسب ما أوردته صحيفة "معاريف"، لا تعتزم إسرائيل الانسحاب من المنطقة، رغم الضغوط الأميركيّة. ويعكس ذلك رغبة في الاحتفاظ بورقة ميدانيّة ثابتة يمكن استخدامها في أيّ تفاوض لاحق، سواء لتعديل الحدود الأمنيّة أو لفرض شروط جديدة على الدولة اللبنانيّة.

أمّا تجميد المنطقة التجريبيّة الثانية، فيعني عمليًّا أنّ إسرائيل ترفض توسيع نموذج الانسحاب المحدود أو اختبار آليّة يمكن أن تقود إلى انسحاب أوسع. فهي تريد أن يبقى أيّ انسحاب محتمل محصورًا في نطاق ضيّق، وتحت رقابتها، ومن دون أن يتحوّل إلى مسار ملزم أو قابل للتعميم.

وتأتي اللاء الثالثة لتطاول مستقبل اليونيفيل. فإسرائيل، مدعومةً من واشنطن، تدفع نحو استبدال القوّة الدوليّة بآليّة تقوم على المفاوضات المباشرة والترتيبات الأمنيّة الثنائيّة أو الثلاثيّة. غير أنّ هذا الطرح يترك لبنان أمام معادلة غير متوازنة: إسرائيل تحتفظ بالاحتلال والقوّة، فيما يُطلب من لبنان التعامل معها من موقع الطرف الذي ينبغي أن يقدّم التنازلات.

 وفي الوقت نفسه، يتصرّف بنيامين نتنياهو بحذر خشية إغضاب الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب. غير أنّ هذا الحذر لا يدفعه إلى تغيير استراتيجيّته، بل إلى ضبط وتيرة تنفيذها، أي تجنّب حرب واسعة من دون التخلّي عن المواقع أو وقف الضغط العسكريّ.

واشنطن تؤجّل البديل وتضغط لإنهاء اليونيفيل

ظهر هذا التوجّه بوضوح في مجلس الأمن، حيث اصطدم طلب لبنان تمديد ولاية اليونيفيل باعتراض أميركيّ. فقد أيّد معظم أعضاء المجلس الإبقاء على القوّة الدوليّة، انطلاقًا من الخشية من نشوء فراغ أمنيّ في الجنوب، بينما دعمت واشنطن المقاربة الإسرائيليّة القائلة إنّ المفاوضات المباشرة وآليّة الإطار الثلاثيّ يمكن أن تحلّا محلّ اليونيفيل.

لكنّ هذه المقاربة تتجاهل واقعًا أساسيًّا: المفاوضات متوقّفة، والانسحاب الإسرائيليّ غير منجز، والاعتداءات مستمرّة، فيما لا تزال القوّة البديلة مجرّد فكرة غير مكتملة. لذلك، فإنّ إنهاء مهمّة اليونيفيل قبل التوصّل إلى تسوية أو إنشاء آليّة بديلة لا يؤدّي إلى تعزيز الاستقرار، بل إلى إزالة شبكة المراقبة الوحيدة القائمة حاليًّا.

برّي: قوّة أمميّة بديلة تحفظ المرجعيّة الدوليّة

من جهته، أكّد رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي أنّ تمسّك الولايات المتّحدة بعدم التجديد لقوّات اليونيفيل يفرض البحث عن قوّة أمميّة بديلة تحظى بتوافق أوروبيّ وأميركيّ، وتنتشر في جنوب لبنان تحت علم الأمم المتّحدة.

وقال برّي لـ"الشرق الأوسط" إنّ غياب هذه الصيغة يعني فقدان "المستند القانونيّ" الذي يضمن بقاء المرجعيّة الدوليّة في الجنوب، معتبرًا أنّ هذه المرجعيّة تشكّل الإطار الناظم لمؤازرة الجيش اللبنانيّ في بسط سيادة الدولة على كامل أراضيها، على أن يقترن ذلك بانسحاب إسرائيل إلى الحدود الدوليّة.

وشدّد برّي على أنّ الاتفاقات الثنائيّة بين لبنان وإسرائيل لا يمكن أن تشكّل بديلًا من الحضور الدوليّ في الجنوب، ولا سيّما في ظلّ رفض إسرائيل تطبيق ما تمّ التوصّل إليه ضمن "اتفاق الإطار" برعاية أميركيّة. وأشار إلى أنّ تل أبيب لم تلتزم، بحسب قوله، تنفيذ "المرحلة التجريبيّة" الأولى، ولا تشكيل آليّة للتحقّق من انتشار الجيش اللبنانيّ في المناطق المشمولة بها.

ولفت برّي إلى أنّه، رغم اعتراضه على "اتفاق الإطار"، كان قد اقترح توسيع نطاق "المناطق التجريبيّة" على أساس الأقضية، وفق التقسيم الإداريّ للجنوب، بدلًا من حصرها ببلدة زوطر الغربيّة، بما يسمح بضمّ بلدات محرّرة أخرى إلى هذا المسار.

وتعكس مواقف برّي جوهر المعضلة القائمة: فالمطلوب من لبنان أن يتولّى مسؤوليّة الجنوب، لكن من دون أن يُسحب الغطاء الدوليّ الذي يوفّر الإطار القانونيّ والسياسيّ لهذه المهمّة. أمّا استبدال اليونيفيل بترتيبات ثنائيّة، فيعني نقل المرجعيّة من الأمم المتّحدة إلى تفاهمات غير متكافئة، في وقت ترفض فيه إسرائيل أصلًا تنفيذ الالتزامات التي يفترض أن تنظّم انتشار الجيش والانسحاب من الأراضي اللبنانيّة.