المصدر: المدن
الكاتب: منير الربيع
السبت 31 كانون الثاني 2026 00:58:12
تبدو تركيا والسعودية ودول الخليج الأخرى وخصوصاً قطر وسلطنة عمان أكثر الدول التي تسعى لأجل تجنب شن حرب أميركية على إيران. ليست الحرب في مصلحة أي من هذه الأطراف والقوى، بينما إسرائيل وحدها ستكون مستفيدة من الصراع. يسعى الأتراك والسعوديون مع الأميركيين لحضّهم على تجنب الضربة والدخول مجدداً في مسار تفاوضي جدي مع الإيرانيين. وعليه، جاءت المبادرة التركية لأجل تأمين حصول اتصال مباشر بين الرئيسين الإيراني والأميركي بالإضافة إلى زيارة وزير خارجية إيران عباس عراقجي إلى اسطنبول للبحث في إمكانية تجديد المفاوضات وتجنب الحرب. في الموازاة، جاءت زيارة وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان إلى واشنطن للقاء المسؤولين هناك والبحث معهم في خفض التوتر الإقليمي.
مروحة اتفاقات السلام
في الوقت الذي واصلت فيه واشنطن تحشيدها العسكري وممارسة الضغط الكبير على إيران لدفعها إلى التنازل تحت التهديد، فإن الإدارة الأميركية تواصل ضغوطها لأجل توسيع مروحة اتفاقات السلام في المنطقة، وهو ما يشمل سوريا، لبنان، وصولاً إلى تغيير الوقائع في العراق أيضاً ليسلك مسار سلام مع إسرائيل. ذلك لا ينفصل عن المساعي الأميركية مع السعودية لأجل الدخول في الاتفاقات الإبراهيمية أيضاً، مع سعي ترامب شخصياً وكما صرّح سابقاً للوصول إلى إعادة نسج التفاهم الإسرائيلي التركي.
القضية الفلسطينية
لا يمكن الوصول إلى تفاهمات أو اتفاقات مع إسرائيل من دون حلّ القضية الفلسطينية وتطبيق اتفاق غزة كاملاً، ومن دون إيجاد مسار واضح للاعتراف بالدولة الفلسطينية. هنا، تزامنت زيارة بن سلمان إلى واشنطن مع تصريح أطلقته الوزيرة المفوضة في الخارجية السعودية منال رضوان شددت فيه على ضرورة ضمان الارتباط المؤسسي والجغرافي بين غزة والضفة الغربية، بالإضافة إلى التشديد على تطبيق القرار الصادر عن مجلس الأمن الدولي الخاص بغزة ووقف الحرب عليها وانسحاب الإسرائيليين منها، بالإضافة لأن تكون غزة والضفة الغربية هي النطاق الجغرافي لإقامة دولة فلسطينية.
صراع مع إسرائيل في واشنطن
في السياق، تشهد واشنطن صراعاً سعودياً إسرائيلياً كبيراً. فإسرائيل تصر على إقناع أميركا بتنفيذ حملة عسكرية واسعة ضد إيران وليس الاكتفاء بضربة محدودة، في المقابل فإن السعودية تبدو حريصة على رفض الحرب وتضغط باتجاه منعها، وتعمل على بلورة ملامح اتفاق بين أميركا وإيران، كذلك فإن السعودية تعرضت لحملات إسرائيلية كبيرة في الداخل الأميركي حول مواقفها الأخيرة أولاً بخصوص فلسطين والقضية الفلسطينية والحرب على غزة، وثانياً بسبب رفضها لأي حرب على إيران، وقد وجهت اتهامات من قبل جماعات صهيونية في أميركا للسعودية بأنها تدعم الإسلاميين سواء في سوريا أو غزة أو سعيها لحماية النظام الأميركي، هنا تأتي زيارة وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان هدفها التصدي لحملة إسرائيلية قاسية جداً تستهدف الرياض في الولايات المتحدة الأميركية، وهنا يجدر التوقف أمام اللقاءات التي سيعقدها بن سلمان مع مجموعات يهودية في أميركا لشرح وجهة نظر السعودية، لكن ذلك ربما تريده واشنطن إطاراً جديداً من الضغط على طريق الوصول إلى تفاهمات مع إسرائيل.
منع الحرب
بحسب المعلومات، هناك تركيز سعودي وجهد حثيث على منع الحرب على إيران، في مقابل استمرار القنوات السعودية مع إيران مفتوحة، والتواصل يحصل مع المسؤولين الإيرانيين على أكثر من مستوى، لا سيما رئيس الجمهورية مسعود بزشكيان، ووزير الخارجية عباس عراقجي ومع أمين عام المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني في محاولة لإقناع مرشد الجمهورية الإسلامية علي الخامنئي بقبول الاتفاق وتجنب الحرب. ومن بين الطروحات الأميركية الأساسية هو تنحي الخامنئي عن منصبه وهو ما تسعى إلى إقناع الإيرانيين به، بالإضافة إلى سيطرة الشركات الأميركية على النفط الإيراني، وان تكون الاستثمارات لصالح الأميركيين.
الصواريخ البالستية
وتشير المعلومات إلى أن الإيرانيين أبدوا الاستعداد للموافقة على التفاوض حول الملف النووي، ورفع العقوبات الأميركية وحصول استثمارات أميركية داخل إيران، ولكن المشكلة الإيرانية الأساسية تبقى في رفض التخلي عن مشروع الصواريخ البالستية. وفيما يطرح الأميركون مسألة تجميد التخصيب يوافق الإيرانيون على ذلك مرحلياً، لكنهم يرفضون مقترحاً أميركياً لإخراج اليورانيوم المخصب بنسبة 60 بالمئة إلى خارج إيران، وتبدي طهران استعداداً لخفض تخصيبه، بالإضافة إلى الاحتفاظ بانتاج الوقود النووي، ولكن كان ذلك كحق محفوظ لمرحلة مقبلة. هنا تطرح السعودية مسألة التخصيب الإيراني النووي السلمي على أراضيها ولكن بشرط أن يكون خاضعاً لرقابة شاملة. أما مسألة الصواريخ البالستية فهناك رفض إيراني كامل للتخلي عنها لأنه يعتبر أنها وسيلة دفاعه الوحيدة، ومن دون هذه الصواريخ فإن طهران ستتحول إلى منطقة مشابهة لبيروت أو دمشق، أي يمكن للطائرات الإسرائيلية استهدافها ساعة تشاء من دون قدرة الإيرانيين على التصدي أو تنفيذ الردّ.
النقطة الحرجة
هناك قناعة في إيران بأن المفاوضات تحت الضغط لن تكون مجدية، خصوصاً أن واشنطن وعندما تنتزع من الإيرانيين أي تنازل فإن سبحة التنازلات ستتكرر بفعل ازدياد الضغط، كما أن مسألة كسب الوقت لم تعد ملائمة أو قائمة. وعلى الرغم من وجود قناعة إيرانية لدى غالبية المسؤولين بعدم الدخول في حرب والبحث عن صيغة سياسية، فإن هناك جهات داخل إيران تعتبر أن الحرب ستكون قائمة بغض النظر عن توقيتها أو شكلها أو حجمها. ما يعتبره الإيرانيون أيضاً أنهم وصلوا إلى نقطة حرجة جداً، وأن أي تنازل عن النووي أو عن الصواريخ ستكون له انعكاسات وارتدادات تؤدي إلى إضعاف النظام أكثر في الداخل وصولاً إلى تداعيه.
تعاون سعودي إيراني
ومن بين ما يعرضه السعوديون هو حصول تعاون وتنسيق كامل إيراني سعودي حول الملفات العالقة، من الملف النووي والصواريخ البالستية إلى ملف إدارة الوضع في المنطقة وحلّ أزمات اليمن والعراق ولبنان. وأهم ما تريده السعودية هو عدم دخول إيران في حالة من الفوضى، أو الحرب الداخلية، وعدم حصول انهيار دراماتيكي في النظام الإيراني ومجيء نظام آخر يكون على علاقة تحالفية مع إسرائيل لأن ذلك سيغير كل موازين القوى في المنطقة وسيكون هناك تحالف إيراني إسرائيلي بوجه كل دول المنطقة واستهدافها.
نموذج "الاتحاد الأوروبي"
هنا ثمة تقاطع في الرؤى بين السعودية، تركيا وحتى إيران على أهمية الوصول إلى تفاهمات إقليمية لمنع إسرائيل من فرض رؤيتها ومشروعها، وذلك يظهر بتصريحات العديد من المسؤولين السعوديين والأتراك، ومن بينهم تصريح أطلقه مؤخراً وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إذ شدد على ضرورة عدم حصول أي هيمنة لأي قوة إقليمية في المنطقة، وأن يتم العمل بين هذه الدول بنوع من التعاون والمسؤولية، حتى أنه استخدم تشبيهاً يتعلق بكيفية إنشاء الاتحاد الأوروبي، وكأنه يلمح للسعي إلى بناء تحالف إقليمي، وهو ما استكمله بطرحه حول قيام تحالف دفاعي بين تركيا، وباكستان والسعودية كمنصة تضامن إقليمي يمكنه أن توسع ليضم دولاً عديدة في المنطقة.