المصدر: النهار
الثلاثاء 28 نيسان 2026 15:14:06
لم تقتصر تداعيات الحرب الاسرائيلية على لبنان على الخسائر البشرية والمادية وتضرر البنية الاقتصادية، بل فرضت أيضاً إعادة قسرية لوجهة الإنفاق العام، بحيث وجدت الدولة نفسها تعمل ضمن هامش ضيق بين تمويل الضرورات ومنع الانزلاق إلى انهيار أشمل. وقد ترجم هذا الواقع بقرارات مالية مؤجلة، وحقوق معلقة، وغضب اجتماعي آخذ في التراكم، لم يعد محصوراً في التقديرات، بل بدأ يترجم في الشارع، مع إعلان موظفي القطاع العام الإضراب ورفع سقف المواجهة دفاعاً عن مستحقاتهم.
ليس جديداً القول إن الحرب الأخيرة دفعت المالية العامة إلى زاوية حرجة، حيث لم يعد ممكناً الجمع بين تلبية الالتزامات الاجتماعية والمحافظة على الحد الأدنى من التوازن المالي. ومع كل تراجع في الإيرادات، يتقلص هامش المناورة، لتغدو أي زيادة في الإنفاق عبئاً إضافياً قد يهدد الاستقرار النقدي نفسه. وعليه، لا تبدو محاولة إدارة دولة بموارد تتقلص ونفقات تتضخم مجرد تحدٍ مالي، بل اختبار فعلي لقدرة السلطة على ترتيب الخسائر وإدارة الأولويات تحت ضغط مزدوج: مالي واجتماعي.
المقاربة التي يعتمدها وزير المال ياسين جابر تقوم على إدارة الندرة لا توزيع الوفرة. فبحسب ما يؤكد أن الدولة اتخذت خياراً واضحاً يرتكز على حماية الاستقرار الوطني وتأمين استمرارية الخدمات الأساسية، مع الالتزام المبدئي بحقوق موظفي القطاع العام. إلا أن الحرب فرضت معادلة مختلفة، حيث تراجعت الإيرادات بشكل حاد وارتفعت الحاجات الاجتماعية والصحية، ما دفع الحكومة إلى توجيه الموارد نحو أولويات ملحة، كدفع الرواتب الأساسية، ودعم المستشفيات، وتمويل متطلبات الإغاثة والنزوح.
لا تراجع عن الالتزامات للموظفين
ويشير جابر إلى أن "تأجيل عن دفع زيادات الرواتب المقرة لا يعكس تراجعاً عن الالتزامات، بل يرتبط بقدرة الدولة على التمويل وبالقيود القانونية، لا سيما في ظل شلل العمل التشريعي".
لكن هذه المقاربة لم تلق قبولاً لدى العاملين في القطاع العام وروابط التعليم، الذين اعتبروا أن تعليق دفع زيادة الرواتب، رغم إقرارها سابقاً، يمثل تراجعاً فعلياً عن حقوق مكتسبة، خصوصاً في ظل التدهور الكبير في القدرة الشرائية. وأعلن التجمع سلسلة تحركات تصعيدية تبدأ بإضراب تحذيري، مع إمكان الانتقال إلى إضراب مفتوح إذا لم تسجل أي استجابة.
الأرقام المالية تعطي خلفية واضحة لهذا الاشتباك. فقد تراجعت إيرادات الدولة بنحو 40% خلال شهري آذار ونيسان نتيجة الحرب، وفق جابر، رغم فرض رسوم إضافية على البنزين تؤمن نحو 35 مليون دولار شهرياً. كما انخفضت حركة الاستيراد وتراجعت الجباية الضريبية، مع تأجيل بعض الضرائب لتخفيف الضغط عن المواطنين.
وفي حين كان يفترض أن تصل إيرادات نيسان إلى نحو 700 مليون دولار، تشير التقديرات إلى أنها لن تتجاوز 400 مليون، ما يعكس فجوة كبيرة في التمويل. في المقابل، تبلغ كلفة زيادات الرواتب المقرة، بما فيها زيادات المتقاعدين، نحو 60 مليون دولار شهرياً، وهو مبلغ يصعب تأمينه في ظل هذا التراجع الحاد في الموارد.
زيادة الرواتب مؤجلة؟
أما في ما يتعلق بزيادات الرواتب، فتؤكد الوزارة أنها محفوظة، إلا أن صرفها يتطلب أولا إقرار الاعتمادات في مجلس النواب، وهو ما لم يحصل بعد، فضلاً عن ضرورة توافر الظروف المناسبة، سواء من حيث استقرار السوق أو تراجع حدة التوترات الأمنية. وعند تحقق هذه الشروط، سيتم الدفع بمفعول رجعي اعتباراً من شهر آذار.
التراجع بالايرادات ليس مستغرباً، إذ عمدت وزارة المال إلى تمديد المهل الممنوحة للتصريح والدفع، والإعفاء من الغرامات، علماً أن هذه المهل قد عُلقت سابقاً حتى نهاية عام 2025. فيما الحرب الحالية دفعت إلى تمديد إضافي وهو ما يعيق قدرة الدولة على تحصيل إيراداتها.
ويؤكد جابر أن الإيرادات تجبى بالليرة، لكن التحدي يكمن في القدرة على ضخها في السوق في ظل شح الدولار. فالمحافظة على الاستقرار النقدي يتطلب إدارة دقيقة للسيولة، بالتعاون مع مصرف لبنان الذي يؤمن الدولارات اللازمة لدفع جزء من الرواتب، والتي تبلغ نحو 240 مليون دولار شهرياً، إضافة إلى التزامات أخرى تتراوح بين 50 و60 مليون دولار.
على صعيد الدعم الخارجي، يؤكد جابر أن المساعدات الدولية شبه غائبة، ولم يتمكن لبنان من الحصول على أي مساعدات خلال وجود الوفد في واشنطن هذا الشهر. فخلال عام 2024، تلقى لبنان نحو 700 مليون دولار ومئات الطائرات الإغاثية، فيما لم تتجاوز المساعدات هذا العام 60 إلى 70 مليون دولار، مع عدد محدود من الرحلات. كما لم تسجل أي مساعدات جديدة من المؤسسات الدولية، باستثناء إمكان إعادة توجيه جزء محدود من القروض القائمة لأغراض إنسانية. وتعزى هذه التراجعات إلى انشغال الدول المانحة بأزماتها الداخلية، إذ باتت الأولويات محلية في معظم الدول، ما يحد من قدرتها على تقديم الدعم الخارجي. وتالياً، يجد لبنان نفسه مضطراً لإدارة أزمته بموارده المحدودة.