"الاختصاصي المستقّل" المسمّى حزبياً بدعة يُعاد إحياؤها بعد فشلها؟

شهدت مرحلة ما بعد الانسحاب السوري من لبنان عام 2005 مجموعة معايير سياسية جديدة تتجاوز الدستور والقوانين، جرى فرضها بحكم الواقع الطائفي والمذهبي والانقسام السياسي، لتصبح بمرور السنين أعرافاً تتفوق على التشريعات وتحل محلها تحت ستار حماية الطوائف أو المذاهب وحقوقها.

من هذه المعايير، الميثاقية التي تم الانتقال من تفسيرها بين الأديان إلى ما بين المذاهب، ليصبح كل مذهب يمتلك حق النقض ضمن السلطة إذا اتخذت أي قرار لا يتناسب مع مصالحه السياسية. حتى الميثاقية المذهبية تطورت وتوسعت وصارت هناك ميثاقية داخل الميثاقية، وأضحى المطلوب لتكون ميثاقياً أن تتمتع بأغلبية شعبية داخل المذهب، فالانتماء إلى المذهب فقط لا يعطي ميثاقية.


أما المعيار الآخر فهو الوزراء التكنوقراط أو الاختصاصيون غير المنتمين إلى الأحزاب، لكنهم مسمّون من رؤساء هذه الأحزاب أو أصدقاء لهم، وهو ما يمكن وصفه بالتحايل على الناس، وخصوصاً أن هذا الأمر جُرّب في حكومات سابقة وأثبت عدم نجاعته، بل إنه فشل في كثير من الأحيان.


وفي عرض لعدد من الحكومات التي اعتمدت هذا المعيار، وكان آخرها حكومة الرئيس حسان دياب ثم الرئيس نجيب ميقاتي، أثبتت التجارب أنه لا يمكن الوزير المسمى من طرف سياسي الخروج من عباءته حتى في القرارت التنفيذية داخل وزارته، والأمر الثاني والأخطر، هو التعامل مع الوزير بصفته التنفيذية والإدارية لا بصفته السياسية، ما يظهر قصوراً فاضحاً خصوصاً عندما تكون الحكومات أمام قرارات مصيرية تؤثر على مستقبل جيل كامل. فمدير الشركة الناجح أو الطبيب أو المهندس أو المحامي المبدع في عمله وفي اختصاصه، ليس عليه أن يمتلك الخلفية السياسية اللازمة، وهو ما بدا فاضحاً في الحكومتين السابقتين لناحية إلمام عدد كبير من الوزراء بالتفاصيل السياسية، ما ورطهم وورط من سمّاهم من دون إغفال أنهم جميعهم يتمتعون بسيّر ذاتيه مهمة.


إلى ذلك، هناك من أجاد هذه اللعبة فسمّى الصقور لديه تحت ستار الاختصاصيين، وأكبر دليل وجوه الحكومة الحالية من وزير الأشغال والعمل إلى وزير الثقافة، في مقابل فئات أخرى اعتمدت على الاختصاص فظهرت الفوارق في الأداء السياسي فاضحة.


واليوم يعود هذا الطرح مجددا، فيُطلب من القوى السياسية تسمية اختصاصيين غير حزبيين لتولّي حقائب وزارية، لنرجع إلى الدوامة نفسها وتعريف الانتماء الحزبي، ومن يُعتبر حزبياً ومن ليس كذلك، وهل يكون تحت إدارة المرجعية أو خارجها؟ وكيف يتم التثبت من الحزبية؟ إلى كثير من الأسئلة المتشابهة.


في هذا الإطار رفض مرجع سياسي ممّن سموّا رئيس الحكومة نواف سلام هذا الأسلوب، مؤكداً "أنهم إذا إرادوا إشراك الجميع كما يقولون في مرحلة القرارات الكبيرة كإعادة الإعمار، وحلّ موضوع الودائع والتعامل مع المؤسسات الدولية وصندوق النقد، وتطبيق القرارات الدولية في ما خص السلاح وغيرها، فعليهم القيام بذلك بوجوه واضحة ومن دون أقنعة، وحينها يتحمّلون مسؤوليتهم أمام الشعب اللبناني".


وأضاف أن "شيطنة الأحزاب بهذه الطريقة قبيل الانتخابات النيابية المرتقبة يضعها في موقف محرج أمام أنصارها ومؤيديها، فإذا كانت فئة مرجومة وغير قادرة، فلماذا تخوض الانتخابات؟ وبمَ ستبرر للناس؟ إنها خيارات انتحارية أمام القوى والأحزاب السياسية".