المصدر: الجمهورية
الكاتب: طوني عطالله
الأربعاء 25 شباط 2026 10:56:20
قد تكون البلاد مقبلة على مرحلة يصبح فيها إجراء الانتخابات النيابية متعذّراً عملياً، ليس رغبةً في تعطيل الاستحقاق الدستوري، بل التزاماً فعلياً بروحه، أي مبدأ دورية الانتخابات أساس الشرعية والمسار الديمقراطي. المفارقة أنّ تأجيل الانتخابات قد يتحوّل، في ظروف استثنائية، إلى محاولة لحماية سمو الدستور والديمقراطية لا لمصادرتهما. هذه الحالة ليست سابقة في التاريخ اللبناني. شهد لبنان وضعاً مشابهاً عام 2014 عندما أُقرّ القانون رقم 16 تاريخ 11/11/2014 القاضي بتمديد ولاية مجلس النواب لمدة 17 شهراً بذريعة الأوضاع الأمنية والسياسية وعدم الجهوزية لإجراء الانتخابات (يراجع: المجلس الدستوري، الكتاب السنوي 2014، جزء 8، ص 67-80).
طعن بهذا القانون أمام المجلس الدستوري 10 نواب، فجاء قرار مجلس 2009-2019 في حيثيات مطوّلة بلغت 15 صفحة، اعتبر فيها أنّ التمديد مخالف لسيادة الشعب ودورية الانتخابات من حيث المبدأ، وأكّد أنّ القاعدة الدستورية تفرض العودة إلى الشعب صاحب السيادة. لم يبطل المجلس الدستوري القانون عملياً، لكنّه توقّف عند واقع استثنائي: شغور رئاسة الجمهورية، حكومة مستقيلة، مجلس نواب على وشك انتهاء ولايته، وخشية من الفراغ الشامل، أي أنّ مقوّمات الدولة كانت شبه متحلّلة، فيما السفراء لا يعرفون مع مَن يتحدّثون من المسؤولين.
عندها رجّح المجلس مبدأ استمرارية المرفق العام، مبرّراً إرجاء الانتخابات إلى حين توافر الشروط السياسية والأمنية، وهو ما لم يتحقق إلّا لاحقاً في انتخابات 2018.
اليوم، وبعد أكثر من عقد على تلك التجربة، تعود الإشكالية نفسها ولكن في سياق أكثر خطورة. الدولة عملياً لم تُستعاد بعد، ولم تستعد وظائفها السيادية الطبيعية (دولة واحدة من دون رديف داخلي منازع، جيش واحد يحتكر القوة المنظمة، دبلوماسية واحدة...)، ولا تزال عاجزة عن فرض سلطتها الكاملة أو تنظيم أبسط الاستحقاقات الإدارية والمالية. السؤال الجوهري: هل يجوز الإصرار على انتخابات شكلية في دولة غير قائمة فعلياً، أم أنّ حماية الدولة تُعتبر أولوية أكثر أهمّية من حماية صندوق اقتراع تعتوره ضغوط خفية؟
المشكلة الأولى تكمن في المصطلحات. استعمال كلمة «تمديد» يوحي بأنّ المجلس النيابي يمدّد لنفسه إرادياً، وهذا توصيف غير دقيق من الناحية الدستورية. النواب منتخبون بإرادة شعبية، ولا يمكن لأي سلطة أن تمنحهم شرعية جديدة بعد انتهاء ولايتهم إلّا الإرادة الشعبية نفسها. لذلك فإنّ بقاء المجلس بعد انتهاء ولايته لا يمكن أن يُسمّى «تمديداً»، وهذا مرفوض كلياً لأنّه يُشكّل انتهاكاً مباشراً لمبدأ الشرعية الشعبية، ولا يستقيم دستورياً.
المخرج الدستوري الوحيد الممكن، في حال تعذّر إجراء الانتخابات، هو الإقرار بأنّ هناك حالة قاهرة تستدعي تطبيق مبدأ استمرارية المؤسسات، لا بهدف إنتاج سلطة جديدة، بل لتفادي الفراغ. الفرق جوهري هنا. إنّ التأجيل لا يكون امتيازاً للسلطة، بل إجراء اضطرارياً لحماية الدولة نفسها، إلى أن تسمح الظروف بإعادة السلطة إلى أصحابها الشرعيِّين: المواطنين.
في هذا السياق، لا يمكن تجاهل المعطيات الإقليمية. تقف المنطقة على حافة تحوّلات خطرة قد تتطوّر خلال أسابيع قليلة نحو الأسوأ. كما أنّ الدولة اللبنانية تواجه استحقاقاً مصيرياً يتمثل في استعادة دورها السيادي، في بسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية، وضرورة أن تكون هي (أي الدولة) المرجعية العسكرية والأمنية الوحيدة تطبيقاً لمقرّرات مجلس الوزراء في 5 و7 آب 2025. وهذا استحقاق لا يمكن التعامل معه بخفة أو ضمن مناخ انتخابي شعبوي يزيد الانقسام بدل أن يرسّخ وحدة القرار الوطني.
يُضاف إلى ذلك أنّ نهاية عام 2026 تشهد انتهاء مهمّة قوات الطوارئ الدولية، ما يضع على عاتق الجيش اللبناني أعباء إضافية في ما يتعلّق ببسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية. وهذا التطوّر وحده كفيل بإعادة طرح سؤال الأولويات: هل تُجرى انتخابات في دولة عاجزة عن حماية حدودها وضبط أمنها؟ أم تُعطى الأولوية لإعادة بناء القدرة السيادية للدولة ثم العودة إلى الاستحقاق الشعبي؟
نحن أمام خيارَين: إمّا انتخابات تُحترم فيها الإجراءات، لكنّها تُفرغ من السيادة والحرّية، وإمّا إرجاء مشروط بإعادة بناء شروط الشرعية: استعادة الدولة، سيادة فعلية، مؤسسات رقابية موثوقة، وأمن انتخابي حقيقي من دون ضغوط أو ترهيب.
قد يبدو الخيار الأول أسهل وأسرع، لكنّه يحمل خطر تكريس الهيمنة تحت غطاء ديمقراطي على الطريقة الهتلرية، حيث وصل الحزب النازي إلى الحكم في ألمانيا عن طريق الانتخابات قبل أن ينقلب على الديمقراطية ويلغيها من أساسها (1932-1933). أمّا الخيار الثاني، وعلى رغم من كلفته، يحفظ المعنى الحقيقي للانتخابات بوصفها فعل سيادة لا مجرّد إجراء إداري. وبين الشكل والمضمون، يبقى السؤال: هل نريد انتخابات بأي ثمن، أم نريد سيادة حتى لو تأخّر الاقتراع؟ إذ يمكن لقوّة منظّمة، تمتلك عناصر الضغط خارج منطق الدولة، أن تستثمر الاقتراع العام لتكريس هيمنة سياسية وقانونية شكلية، ثم تعيد تعريف الديمقراطية بما يخدم استمرار سيطرتها، لا تداول السلطة ولا سيادة القانون.
من هنا، يصبح إرجاء الانتخابات لفترة محدودة – أشهر أو سنة كحدّ أقصى - خياراً اضطرارياً لا رغبة فيه ولا ترويجاً له. وليس الهدف التبشير ببقاء المجلس الحالي، بل التأكيد على أنّ الدولة أولاً. لا يجوز للحكومة ولا للمجلس النيابي أن يمدّدا لأنفسهما بإرادة ذاتية، لأنّ ذلك يشكّل انقلاباً على الشرعية الشعبية والدستورية معاً. التأجيل المشروع الوحيد هو ذاك الذي تفرضه الظروف القاهرة ويُحاط بضمانات سياسية وأخلاقية واضحة، أهمّها تحديد مهلة زمنية صارمة وإعلان التزام قاطع بالعودة إلى الانتخابات فور تحسن الظروف.
في المقابل، يُسجَّل إيجابياً قرار بعض الأحزاب السياسية إدخال تغيير على الوجوه التي تمثلها في البرلمان. فهذا السلوك ينسجم مع منطق العمل الحزبي الذي يرفض الوراثة السياسية ويؤمن بتداول النخب داخل التنظيمات. تضمّ الأحزاب طاقات شابة ووجوهاً لامعة يحق لها أن تتمثل في الندوة البرلمانية، بدل احتكار المواقع من قبل الأشخاص أنفسهم دورة بعد أخرى.
أدركت بعض قوى التغيير أنّ نواباً تحولوا إلى مرشحين دائمين لخلافة أنفسهم، لا بدافع المشروع السياسي، بل بدافع الحفاظ على الامتيازات المالية والتعويضات التقاعدية الناتجة من تكرار الانتخاب لدورتَين أو ثلاث. ومن هنا، فإنّ الادّعاء بأنّ مَن أُبعدوا عن الترشيح قد «سئموا أو أُصيبوا بالقرف» من العمل النيابي لا يستقيم مع الوقائع، بل يخفي خلفه حسابات شخصية وبعضها إقليمية لا علاقة لها بالمصلحة العامة.
النقاش الحقيقي ليس بين انتخابات وتمديد، بل بين دولة وانتخابات بلا دولة. إذا كانت الدولة قائمة وقادرة، فالانتخابات واجب لا يحتمل التأجيل. أمّا إذا كانت الدولة متحلّلة وعاجزة، فإنّ الأولوية تصبح إعادة تكوينها، ولو تطلّب ذلك إرجاء الاستحقاق الشعبي لفترة قصيرة ومحدّدة. لا تمديد، ولا مصادرة للإرادة الشعبية، بل انتظار مشروط باسم الدولة، لا باسم السلطة.