الانتخابات بين صراع الصدارة وصراع البقاء: ارتباك في حسابات "الثنائي"

تداعيات حرب غزة والتي تحولت في بعض جوانبها إلى حرب إقليمية ودولية شملت إسرائيل ولبنان وإيران واليمن وبنسبة أقل سوريا والعراق، وتدخل فيها الأميركيون بالغارات الضخمة التي استهدفت البنى التحتية النووية والصاروخية البالستية في إيران، هذه التداعيات ترخي بثقلها على الساحة السياسية اللبنانية في ضوء التغيير الذي أفضت إليه في المعادلة الداخلية، مع تقدم خيار الدولة وانكفاء خيار الدويلة التي يمثلها "حزب الله".

وثمة ما يشبه السباق بين عنوان حصرية السلاح وما يعنيه من تراجع كبير لنفوذ "حزب الله" وانحسار سطوته على الدولة وسائر اللبنانيين، وبين سعيه الدؤوب لتأخير مراحل هذا الاستحقاق ما أمكن، وبالتالي تأمين أفضل فرصة للحفاظ على تمثيله النيابي الحصري بالتحالف مع حركة "أمل" في إطار "الثنائي الشيعي". وأكثر ما يخشاه "حزب الله" هو خسارة مقعد على الأقل أو مقعدين في حال عملت القوى السيادية على لعبة الأصوات التفضيلية في دوائر معينة كجبيل وبعبدا، بهدف إسقاط مرشحي "الحزب" ولو على حساب مرشحين مسيحيين على سبيل المثال، لا سيما وأن خشية "الحزب" تطاول أيضا بيئته الحاضنة التي بدأت تتردد فيها أصوات اعتراضية أو متحفظة تعكس تململًا واضحًا لأسباب شتى.

ولذلك، يحرص "الحزب" على الحفاظ على العلاقة الخاصة مع الرئيس نبيه بري من دون أي شائبة، وهو مدرك أن رئيس المجلس يتمايز نسبيًا في بعض مواقفه كما أن شريحة من جمهور حركة "أمل" لا تخفي نوعًا من الامتعاض حيال بعض التوجهات "غير المفهومة" لدى "حزب الله" والتي تجعل من الشيعة ضحية مغامرات عبثية مؤلمة لا نهاية لها.

ويسعى "الحزب" مع تقدم موعد الاستحقاق النيابي إلى تعزيز بعض المساعدات المادية من ضمن ما يتوافر لديه من إمكانات لاحتواء تململ البعض، ويراهن على وفاء بيئته له في المناطق الواقعة جنوب الليطاني حيث تراجع نفوذه المباشر بشكل جذري مع سيطرة الجيش اللبناني وقوة "اليونيفيل" عمليًا على الأرض وإزالة المراكز العسكرية ومخازن السلاح، ولو استمر السلاح الفردي وأنواع أخرى من العتاد في المنازل أو في مخابئ غير مكتشفة. وهذا الرهان لا يخلو من صعوبة في ظل شلل أي حركة إعمارية والدمار الذي لحق بالكثير من المصالح التجارية والصناعية وورش الحفر والنقل والبناء.

 

وثمة نقاش داخلي ناشط حول احتمال تجديد التحالف مع "التيار الوطني الحر" بشكل شامل أو على القطعة، باعتبار أن الحاجة المشتركة باتت ربما أكبر من الماضي على الرغم من التباينات الكبيرة وبخاصة حيال مسألة السلاح وخيار الحرب والسلم. أما في ما خص "التيار"، فالنقاش قائم أيضًا حول هذه النقطة، لا سيما وأنه يدرك قدرة "الحزب" على مساعدته في إيصال أكثر من نائب له، وإن ليس بالقدرة التي كان يتمتع بها في السابق.

ومن الواضح أن رئيس "التيار" جبران باسيل يراهن على أمرين، أولهما لعب دور الضحية والمستهدف من العهد الحالي والقوى السيادية المشاركة في الحكومة أو الداعمة لهذا العهد، بل إنه يعمل على تضخيم لا يخلو من الافتعال لبعض المسائل، على غرار ملاحقة موظفين محسوبين على التيار أو استبعادهم من مواقعهم، أو مقاضاة البعض على غرار الوزير السابق للاتصالات نقولا الصحناوي أو الادعاء على المحامي فوزي مشلب، وذلك بهدف استنهاض جمهوره واستجرار التعاطف.

أما الرهان الثاني، فهو الاستهداف المنهجي لوزير الطاقة والمياه جو صدي ومن خلاله "القوات اللبنانية" في ملف الكهرباء، بما يشبه لعبة "صولد وأكبر" وصولًا إلى تجنيد مجموعات تتولى إدارة صفحات بالجملة على مواقع التواصل الاجتماعي لهذه الغاية، مع العلم أن ملف الكهرباء والطاقة هو سيف ذو حدين، لأنه يمثل الحلقة الأضعف في مسار مشاركة "التيار" في السلطة لما يشوب أداء "التيار" من تساؤلات حول الدين العام والهدر ورفض بناء معامل لمصلحة صفقات متنوعة.