الجيش وترتيبات الجنوب وإعادة الإعمار.. ماذا جنى لبنان من اجتماعات نيويورك؟

عاد الملف اللبناني إلى واجهة التحركات الدولية في نيويورك مع سعي حكومة نواف سلام إلى تحويل سلسلة اجتماعاتها السياسية إلى التزامات عملية تتصل بدعم الجيش، وترتيبات الجنوب بعد انتهاء مهمة اليونيفيل، وتمويل إعادة الإعمار.

وتفيد مصادر سياسية لبنانية لـ"إرم نيوز" بأن الوفد اللبناني إلى الولايات المتحدة كان قد حمل معه لائحة مطالب موزعة على 3 مسارات تشمل تمويلًا إضافيًا للجيش، وضمان استمرار حضور دولي في الجنوب بعد نهاية 2026، وحشد مساهمات عربية وغربية لصندوق إعادة الإعمار.

وتوضح المصادر أن رئيس الحكومة نواف سلام ناقش مع السيناتور الأمريكية جين شاهين ومسؤولين أمريكيين آخرين زيادة الدعم العسكري المخصص لوحدات الجيش المنتشرة في الجنوب، إلى جانب معدات مراقبة واتصالات وآليات هندسية ورواتب لعناصر إضافيين، كما طلب الجانب اللبناني الإسراع في تثبيت موعد مؤتمر دولي لدعم الجيش يجمع الولايات المتحدة وفرنسا ودولًا عربية وأوروبية قبل نهاية العام.

الجيش والجنوب في مقدمة المطالب
وبحسب المصادر اللبنانية، طرح الوفد على شركائه تصورًا لمرحلة ما بعد اليونيفيل يقوم على بقاء بعثة دولية أصغر تتولى التدريب والمساعدة التقنية والتنسيق مع الجيش، مع نقل عدد من مواقع القوة الدولية وتجهيزاتها إليه تدريجيًا، وأبلغ سلام مسؤولين أمميين وأوروبيين أن بيروت تريد تجنب أي انقطاع أمني بين انسحاب اليونيفيل وتسلّم المؤسسات اللبنانية مسؤوليات أوسع في الجنوب.

وتأتي هذه المطالب بعد اجتماع عسكري دولي عقد في باريس في 17 أيلول/ سبتمبر بمشاركة دول أوروبية وعربية لبحث احتياجات الجيش اللبناني والخيارات المطروحة بعد انتهاء مهمة اليونيفيل.

كما أعلنت واشنطن في 23 أيلول/ سبتمبر تسليم الجيش 16 مليون طلقة ذخيرة وأكدت أن مساعداتها العسكرية له تجاوزت 800 مليون دولار خلال ست سنوات، فيما أقرت المفوضية الأوروبية في اليوم التالي حزمة بقيمة 505 ملايين يورو للبنان خلال عامي 2026 و2027 تشمل الأمن والتعافي والإصلاحات.

وتفيد المصادر السياسية اللبنانية بأن سلام طلب أيضًا فصل مسار إعادة الإعمار عن التأخير السياسي في بقية الملفات، وعرض خلال لقاءاته مع مسؤولين عرب وأوروبيين أولويات تتعلق بالقرى الجنوبية والبنية التحتية والكهرباء والمياه والمدارس، مع اقتراح إنشاء آلية تمويل تشارك فيها مؤسسات دولية وصناديق عربية وتخضع المشاريع لمتابعة حكومية ودولية مشتركة.

واشنطن تربط الدعم بالتنفيذ
ويكشف مصدر دبلوماسي أمريكي في وزارة الخارجية لـ"إرم نيوز" أن إدارة دونالد ترامب أبلغت الوفد اللبناني استعدادها لمواصلة دعم الجيش وزيادة المساعدة التقنية للوحدات التي ستتولى الانتشار جنوب الليطاني، مع دراسة تمويل معدات مراقبة وطائرات مسيرة استطلاعية وآليات هندسية إضافية، ويرتبط ذلك بخطة تنفيذية تتضمن نشر وحدات محددة وتسلّم مواقع جديدة ورفع تقارير دورية إلى آلية التنسيق الأمريكية.
ويضيف المصدر أن وزارة الخارجية تعمل مع البنتاغون على تحديد الاحتياجات التي يمكن تمويلها خلال الأشهر المقبلة، فيما طلبت واشنطن من بيروت تقديم جدول واضح يحدد عدد الوحدات المطلوبة بعد انسحاب اليونيفيل والمواقع التي ستتولاها والقدرات اللوجستية الناقصة، كما تشمل المحادثات مساهمات محتملة من دول عربية في التدريب والتمويل.

ويشير المصدر الأمريكي إلى أن ملف إعادة الإعمار سيُبحث ضمن مسار منفصل تشارك فيه وزارة الخارجية والبنك الدولي وشركاء أوروبيون وعرب، وأن واشنطن أبلغت اللبنانيين استعدادها للمساعدة في حشد التمويل بعد اعتماد آلية رقابة تمنع تحويل الأموال إلى جهات مسلحة وتحدد المشاريع وفق المناطق المتضررة والأولوية الإنسانية.

وأعلن سلام خلال وجوده في نيويورك أن بلاده تحتاج إلى استمرار حضور دولي في الجنوب بعد انتهاء مهمة اليونيفيل، كما ركزت لقاءاته مع مسؤولين أمريكيين وأوروبيين على دعم الجيش وإعادة الإعمار والانسحاب الإسرائيلي، قبل انتقاله إلى واشنطن حيث تشمل أجندته لقاء وزير الخارجية ماركو روبيو ومديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجيفا ورئيس البنك الدولي أجاي بانغا.

رصيد خارجي أمام استحقاقات الداخل
تمنح هذه الحصيلة الحكومة اللبنانية أدوات يمكن استخدامها سياسيًا في بيروت إذا تحولت الوعود إلى جداول تنفيذ وتمويل واضح، فدعم الجيش يخفف الحجة المتعلقة بنقص الإمكانات، وترتيبات ما بعد اليونيفيل تمنع فراغًا أمنيًا في الجنوب، وتمويل الإعمار يوفر للحكومة مدخلًا لمعالجة أحد أكثر الملفات ضغطًا على سكان المناطق المتضررة.

وتبقى قيمة تحركات نيويورك مرتبطة بسرعة الانتقال من التعهدات العامة إلى القرارات التنفيذية، لأن الحكومة تواجه في الداخل مطالب أمنية واقتصادية متزامنة وضغطًا متزايدًا لإظهار نتائج عملية، لذلك تحتاج بيروت إلى تحويل علاقاتها الدولية الحالية إلى مساعدات قابلة للقياس ومواعيد محددة بدل الاكتفاء بالدعم السياسي الذي رافق مراحل سابقة من الأزمة.