الحرب انتقلت إلى الخزائن.. خطة أميركية إسرائيلية لـ"خنق" حزب الله

كشفت مصادر لبنانية خاصة لـ"إرم نيوز"، عن بدء العمل على أكثر من مسار متواز لتضييق الخناق على ميليشيا حزب الله مالياً وقانونياً وعسكرياً، استجابة لضغوط أمريكية وإسرائيلية تصاعدت خلال جولة المفاوضات الأخيرة في روما، التي شهدت تمسكاً أمريكياً بالمطالب الإسرائيلية الداعية إلى تجفيف مصادر تمويل الحزب وملاحقة شبكاته المالية، وفي مقدمتها "القرض الحسن" و"بيت المال"، إلى جانب إعادة النظر في الأطر القانونية التي أتاحت لمؤسسات مرتبطة بالحزب العمل لسنوات خارج الرقابة المالية الكاملة للدولة.

وقالت المصادر المطلعة على أجواء المفاوضات في روما، إن واشنطن تعتبر أن أي تسوية دائمة في جنوب لبنان لن تكتمل بمجرد معالجة ملف السلاح، بل يجب أن تترافق مع تفكيك البنية المالية والقانونية التي تمنح الحزب القدرة على إعادة بناء نفسه بعد كل جولة مواجهة، وهو ما جعل هذا الملف يحتل موقعاً متقدماً على جدول أعمال المفاوضات الأخيرة، بالتوازي مع ملفات الانسحاب الإسرائيلي والترتيبات الأمنية جنوب لبنان.  

من الصواريخ إلى الاقتصاد الموازي

تعكس هذه المقاربة تحولاً واضحاً في الإستراتيجية الأمريكية - الإسرائيلية تجاه حزب الله. فبعد سنوات من التركيز على الصواريخ والأنفاق والبنية العسكرية، انتقلت الأولوية إلى استهداف ما تصفه دوائر غربية بـ"اقتصاد حزب الله"، انطلاقاً من قناعة بأن التنظيم يستطيع تعويض جزء من خسائره العسكرية إذا بقيت شبكاته المالية تعمل بحرية.

وفي هذا السياق، وسعت وزارة الخزانة الأمريكية، خلال الأشهر الأخيرة، عقوباتها لتشمل مؤسسات وأفراداً قالت إنهم يشكلون العمود الفقري للمنظومة المالية للحزب، وفي مقدمتهم "القرض الحسن" و"بيت المال". كما أعلنت فرض عقوبات على شبكات وشركات مرتبطة بتجارة الذهب، متهمة إياها بتحويل الأصول إلى سيولة تستخدم في تمويل أنشطة الحزب والالتفاف على القيود المفروضة على التحويلات المالية.

العقدة الأكثر حساسية

يحتل "القرض الحسن" موقعاً متقدماً في الضغوط الأمريكية، باعتباره المؤسسة المالية الأهم داخل البيئة الحاضنة لحزب الله. فالجمعية، التي تعمل، منذ العام 1987، بموجب "علم وخبر" كجمعية اجتماعية، توسعت تدريجياً لتقدم خدمات الإقراض والرهن والادخار، وأصبحت تدير كتلة مالية كبيرة خارج النظام المصرفي التقليدي، وهو ما جعلها عرضة لانتقادات متزايدة من الولايات المتحدة، التي تعتبر أنها تؤدي عملياً وظائف مالية لا تختلف كثيراً عن المؤسسات المصرفية.

وتقول المصادر لـ "إرم نيوز"إن النقاش اليوم، لا يدور حول إقفال الجمعية بقرار سياسي، وإنما حول إخضاعها، وسائر المؤسسات التي تمارس أنشطة مالية مشابهة، للقوانين والرقابة التي يخضع لها القطاع المالي اللبناني، بما يشمل الترخيص والرقابة والإفصاح المالي.

وترى واشنطن أن بقاء مؤسسات بهذا الحجم خارج الرقابة الكاملة يسمح باستمرار قنوات تمويل يصعب تتبعها، ويمنح الحزب هامشا واسعا لإدارة موارده بعيداً عن النظام المالي الرسمي.

تعديل القوانين وتشديد الرقابة

وفقاً للمعلومات التي ذكرتها المصادر، فإن الضغوط الأمريكية لا تتحدث عن قوانين تستهدف حزب الله بالاسم، بل عن مراجعة وتفعيل القوانين التي تنظم عمل الجمعيات والمؤسسات المالية، وتشديد تطبيق قانون مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، إضافة إلى إحكام الرقابة على شركات الصرافة، وشبكات تحويل الأموال، والمحافظ الإلكترونية.

وتلفت المصادر إلى أن ملف تجارة الذهب يحظى باهتمام متزايد، بعد تقارير أمريكية تحدثت عن استخدام شركات واجهة لتحويل احتياطيات الذهب إلى سيولة مالية، في ظل القيود المفروضة على النظام المصرفي والعقوبات الدولية.

وترى المصادر أن تشديد تطبيق هذه القوانين سيضيق هامش الحركة أمام أي شبكة مالية تعمل خارج المنظومة الرسمية، وهو ما قد ينعكس مباشرة على قدرة الحزب في إدارة موارده المالية خلال المرحلة المقبلة.

معركة النفوذ لا السلاح

في المقابل، يرفض حزب الله هذه الضغوط، ويعتبر أنها تستهدف وجوده السياسي والاجتماعي، وليس فقط قدراته العسكرية. وقد أكد الأمين العام للحزب نعيم قاسم في أكثر من مناسبة أن العقوبات المالية لن تدفع الحزب إلى تغيير سياساته، وأن مؤسساته ستواصل عملها رغم الضغوط.

إلا أن المصادر ترى أن طبيعة المواجهة تغيرت بصورة جوهرية، وباتت أكثر جدية. فبدلا من التركيز على تدمير مخازن السلاح أو استهداف القيادات العسكرية، يجري العمل على تقليص قدرة الحزب على إدارة موارده، وتمويل مؤسساته، والمحافظة على شبكات الخدمات التي شكلت أحد أهم عناصر حضوره داخل بيئته الحاضنة.

وتشير إلى أن هذه المقاربة أصبحت جزءاً من الرؤية الأمريكية لأي تسوية مقبلة في لبنان، إذ لم يعد الحديث يدور فقط حول نزع الصواريخ أو إبعاد المقاتلين عن الحدود، وإنما حول تفكيك المنظومة المالية والقانونية التي سمحت لحزب الله، على مدى عقود، ببناء اقتصاد مواز ومؤسسات موازية للدولة. 

وإذا كانت المعارك السابقة قد استهدفت مواقع الحزب العسكرية، فإن المعركة التي تتبلور اليوم، وفق المعطيات التي حصلت عليها "إرم نيوز"، تستهدف ما تعتبره واشنطن وتل أبيب مصدر قوته الأكثر استدامة، بدءاً من المال، وشبكات التمويل، وصولاً إلى البنية القانونية التي وفرت له الغطاء طوال السنوات الماضية.