المصدر: نداء الوطن
الكاتب: فتات عيّاد
الخميس 3 نيسان 2025 06:21:58
كل جرائم إسرائيل "في كفّة"، وتهديد قرابة 2000 طالب في مدارس شارع الجاموس في الضاحية، يوم الجمعة الفائت، بإخلاء فوري قبل ضربة إسرائيلية وشيكة لأحد المباني، "في كفة أخرى". هذا اليوم سيحفر في ذاكرة هؤلاء الأطفال، ليضاف إلى سجلّ تروما الحرب التي عاشوها منذ أشهر، وكانت أعراض "ما بعد الصدمة" من تراجع في الأداء المدرسي وقلق وتوتر قد بدأت تظهر عليهم، فكيف بعد اختبارهم خطر الموت بعيداً من حضن آبائهم وأمهاتهم، مصدر أمانهم؟ الذين كانوا يسابقون الوقت والزحمة للوصول إليهم وحمايتهم من ذلك الموت الوشيك؟
مشاهد الهلع والصراخ وبكاء الأطفال التي وثّقتها فيديوات من الضاحية الجنوبية حيث مرّت الدقائق المصيرية كالجمر على قلوب الأهالي، كانت تتكرر جنوباً دونما توثيق. إحدى الأمّهات أخذت إذناً من عملها في صيدا، لتتوجّه لمدرسة أولادها الثلاثة في قضاء النبطية، وكان "قلب الأم دليلها"، إذ بدأت الغارات على بلدة كفرتبنيت التي تبعد كيلومترات قليلة عن المدرسة، لتكرر على مسامع أطفالها المرتعدين من شدّة الخوف عبارة "ماما ما رح يصير متل 23 أيلول".
إسرائيل لم تكتفِ بالقصف والقتل والدمار، بل مارست حرباً نفسية عبر جدار الصوت، وقد بدأت بالفعل العلامات المدرسية لطلاب في مناطق لبنانية مختلفة، حتى تلك التي لم تتعرّض للعدوان الإسرائيلي، تتراجع، فهذا الجيل لم يتلقّ تعليماً جيداً منذ خمسة أعوام على الأقل نتيجة كورونا والانهيار الاقتصادي، ويعيش مع أهله "صدماتهم" جميعها من الانهيار للحرب، ما يجعلنا نسأل: متى يكون العلاج النفسي إلزامياً بعد صدمات الحرب؟ وهل يتنبّه الأهالي لضرورة إيقاف انتقال تروما الحرب في لبنان من جيل إلى جيل؟ كيف لا يصبح لسان حال أبنائهم مثل رامي الذي فقد زميليه في المدرسة "لشو بدنا ندرس إذا رح نموت"؟.
أحرز طلّاب جنوب لبنان تفوّقاً دراسياً في الامتحانات الرسمية في الأعوام الأخيرة، لكنهم العام الماضي أنجزوا الامتحانات قسراً وسط القصف وجدار الصوت، بعد نزوح قسري من منازلهم والدراسة "أونلاين" وخسارة أحباء لهم.
تروي م. غ، أم لـ 4 أطفال (أسماء جميع الأطفال في هذا المقال مستعارة حفاظاً على خصوصيتهم)، كيف أثّرت الحرب على أبنائها الأربعة، وأصغرهم في السنة الابتدائية الأولى، وأكبرهم لديه هذا العام امتحان رسمي للشهادة الثانوية. فجميعهم تراجعوا أكاديمياً، نتيجة النزوح القسري تحت وابل قصف قرى الشريط الحدودي، ووفاة أصدقاء لهم والحنين لمنزلهم الذي سوّي أرضاً.
"فابني تامر (الثاني الابتدائي)، لم يعد يتقن فعل أي شيء في دراسته بشكل مستقل، ويزيد من المأساة أن الأساتذة في مدرسته الجديدة غير متفهمين لحالته. أما رامي، الابن الأكبر، فلديه هواجس حول مستقبله، وحزن وصل به للقول "لشو ندرس إذا بدنا نموت؟". عدا عن الشرود في الصف وكتابة أسماء رفاقه في الصف عوض التركيز على الشرح".
"ردوني ع بيتي"
سامر (7 سنوات)، كان محظوظاً لوجود مدرسته في الأشرفية، وغير محظوظ لوجود منزله في الضاحية. فاضطر الأهل لاستئجار منزل في فترة الحرب، والنتيجة "تراجع دراسي وتغير سلوكي واضحان".
كان سامر طيلة الوقت يقول لأمه "ما كنت حابب إترك بيتي، غرفتي لحالي مرتاح حدي كل الألعاب... أنا مشتاق للبيت ولكل شي فيه".
"كأنو إبني مش ربيان بعيلة، هلقد تراجع سلوكياً" تقول سارة، بحرقة، هذا عدا عن تراجعه أكاديمياً، وظهور "تأتأة" في كلامه، ومع العلاج النفسي، بدأ يتحسن بشكل ملحوظ، ويعبر بالرسم عن مشاعره، وهو اليوم يختصر تلك المرحلة بقوله "كنت قلّل تهذيب وضلّ معصب، لأن ما كنت ببيتي، كان لازم عبّر عن مشاعري حتى ما كون Aggressive".
مع استلام الجيش اللبناني، مواقع كانت تحتلّها القيادة الفلسطينية في الناعمة، بدأ منذ أشهر بتفجير ذخائر غير منفجرة، وشكّل صوت هذه الانفجارات مصدر رعب لأطفال مدارس المنطقة، الذين سبق أن أصيبوا بتروما بسبب جدارات الصوت.
تقول سارة (13 عاماً) "منخاف يقصفوا المدرسة ونموت، أو يقصفوا حدنا وما نقدر نهرب ع بيوتنا. الأساتذة بيقولولنا "ما تنقزوا"، كيف ما بدنا نخاف إذا الأساتذة عم ينقزوا معنا مع كل تفجير للذخائر؟".
السماء "عم تشتي موت"
قرابة مليون طفل في بيروت الكبرى، عاشوا لحظات رعب بعد انفجار 4 آب، وعادوا ليختبروا الرعب عبر حاسة السمع مع كل قصف أو أقله جدار صوت فوق الضاحية وبيروت.
في السياق، تعلّق المعالجة والمحلّلة النفسية، نعمت بجاني بالقول، إن الانفجار شيء حصل شعرنا به أرض-أرض، بينما القصف أشدّ رعباً لأنه في لاوعينا كشعوب مؤمنة بالأديان السماوية، فإن أكثر مكان يوحي لنا بالخلاص هو السماء، فكيف بالنسبة للأطفال، الذين يحدّثهم آباؤهم عن الجنة والملائكة في السماء، ليتفاجأوا في الحرب الأخيرة بأن الموت يأتيهم من السماء عبر القصف؟
هذا وتكمن خطورة جدار الصوت والغارة بأنها تضع الولد في حالة انعدام الحل أو العجز helplessness لأنه "ما حدا فيه يوقفها"، وهو ما يخلق عند الأطفال تروما حقيقية وتشرذماً فتنفصل مشاعرهم عن تفكيرهم، وكلما سمعوا صوت "لبدة"، أو أي شيء يسقط من أعلى إلى الأرض، أو اشتموا رائحة دخان تذكرهم بدخان الغارات، تذكروا التروما التي تعرّضوا لها. فيما الأخطر من الصدمة نفسها إن لم تعالج، هو أعراض ما بعد الصدمة، كربط الطفل زحمة السير في صيدا بنزوحه إليها في 23 أيلول.
العلاج الملزم للأطفال دون 12 عاماً
وتلفت بجاني إلى أن الحروب تولّد لدى الأطفال مشاكل عديدة تختلف أعراضها وحدّتها ومدتها باختلاف الأعمار والشخصيات وطريقة تلقّي الأحداث إن كانت مباشرة أو غير مباشرة.
وأبرز تلك الأعراض هي القلق الشديد، وخاصة الخوف من الموت أو فقدان من يحبّون، مشاكل النوم والأحلام المزعجة المترتبة على الذكريات المؤلمة التي خزّنتها عقولهم الباطنة سواء مما عايشوه بأنفسهم أو شاهدوه عبر الأخبار، وقد يصل الطفل لحالة حزن شديدة قد تعرّضه للدخول في حالة اكتئاب خصوصاً إذا كان أهله مكتئبين ولم يخضعوا لعلاج نفسي.
من هنا، تنصح بجاني الأهالي لا سيّما من لم يتجاوز أطفالهم 12 عاماً، بمعالجتهم بشكل إلزامي من تروما الحرب، قبل أن تبدأ أعراض ما بعد الصدمة، هذا ويعتبر إلزامياً علاج من خسر من هؤلاء الأطفال أقرباء لهم لا سيّما الأهل، فأعراض ما بعد الصدمة لديهم قد تبدأ من الاستجابات الفورية للتوتر إلى زيادة خطر الإصابة باضطرابات نفسية محددة - كاضطراب ما بعد الصدمة، والاكتئاب، وقد تصل عند بعضهم للأفكار الانتحارية.
بجاني كانت قد عملت على كتيّب لمساعدة الأطفال بعد انفجار 4 آب، للخروج من التروما التي تعرّضوا لها. في السياق، توضح أهمية اللعب كأسلوب لإخراج كبت الأطفال وامتصاص صدمتهم. إذ تكمن أهمية العلاج النفسي بأنه يمكن من خلاله التحدّث، أو الرسم، أو اللعب، أو الكتابة عن الحدث مع الطفل لوحده أو العائلة أو المجموعة في المدرسة، حيث يساعد العلاج السلوكي وخاصة العلاج السلوكي المعرفي على تعلُّم تغيير الأفكار والمشاعر من خلال تغيير السلوك أولاً لتقليل الخوف أو القلق.
من ضمن الألعاب التي ضمّنتها في الكتيب، وعملت عليها مع مجموعة أطفال بعد انفجار المرفأ، كانت "لعبة المهن" وهدفها "مساعدة الأطفال يرجعوا يحلموا ليطلعوا من الماضي عبر اختيار مهنة يحبون أن يمارسوها في المستقبل".
التعليم من خلال اللعب
ولأن الطفل يتراجع ويكبت عندما يُحرم مساحته من اللعب، وهذا ما يحصل في الحروب، ترى بجاني أن على الأساتذة اليوم في المدارس، التعويض على الطفل عبر تعليمه المنهج التعليمي - ما استطاعوا - من خلال اللعب، وهي نظرية تعود لطبيب الأطفال Donald Winnicott وتعرف بـ apprendre par le jeu.
أما الطلاب فوق الـ 12، فحرموا من اللعب أيام حجر فيروس كورونا، لكن لا يمكننا إعادتهم للوراء، لذلك، على الأساتذة ابتكار طرق لتعليمهم، تتناسب وأعمارهم، كالألعاب الاجتماعية. فكورونا والحرب "قطعت أنفاسهم"، وعلينا أن نردّ لهم "إيقاعهم" الذي سلب منهم، عبر ترك هامش للحرية لهم، ليس عبر تمارين التنفس والاسترخاء وحسب، بل "النفس" هنا في المدرسة نقصد به جعلهم يختارون، والتخفيف من إلزامهم بالأمور، كعدم حصر التعبير الكتابي للغة بموضوع واحد، وجعلهم يختارون بين مواضيع عدة.
التروما المنقولة عبر الأجيال
وعن خسارة آلاف الأطفال منازلهم، تلفت بجاني إلى أن الطفل يعتبر المنزل بمثابة المأوى الذي يحميه، ومن دونه يكون "ضائعاً". أما فقدان الأشخاص فهو أقسى الحالات صعوبة، لأن الطفل يعتقد أن حياته ما عادت ثمينة ومن هنا أهمية عدم تأخير العلاج النفسي.
هذا وتحذر الأهل من تقنية عدم الحديث مع الطفل عمّا حصل في الحرب، فهو أكثر خطورة من مناقشة ذلك معه، "فكل شيء منخاف يحكوه أطفالنا لازم نحكيه معن، وإلا أصبح الكلام غير المحكيّ مخيفاً أكثر من الصمت"، غامزة من قناة نظرية الطبيبة Francoise dolto حول التروما المنقولة بالـ non dit أو بما لم يقل.
واللبنانيون الذين عاشوا الحرب الأهلية، ونقلوا صدمتها لأبنائهم، إن لم تعالج صدمات الحرب الأخيرة لأطفالهم وأحفادهم اليوم، فستنتقل بدورها للأجيال المقبلة، عبر ما يعرف بـ Transgenerational trauma أو التروما المنقولة عبر الأجيال وهو ما يعني أن بعض الأطفال الذين كانوا في مناطق بعيدة من الاستهداف، كالشمال، قد يعانون من تروما الحرب الأهلية المنقولة عبر آبائهم!