المصدر: Kataeb.org
الأحد 19 تموز 2026 11:48:04
ترأس البطريرك الماروني الكردينال مار بشارة بطرس الراعي قداس عيد مار شربل في عنايا عاونه فيه راعي أبرشية جبيل المارونية المطران ميشال عون ، الرئيس العام للرهبانية اللبنانية المارونية الاباتي هادي محفوظ ، وامين السر الاب طوني عيد ، رئيس الدير الاب ميلاد طربيه ، في حضور السفير البابوي في لبنان المونسونيور باولو بورجيا ، لفيف من المطارنة ومجلس المدبرين العامين في الرهبانية اللبنانية المارونية وخدمته جوقة الصوت العتيق.
حضر القداس ممثل رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون وزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني ، وزير الدفاع الوطني اللواء ميشال منسى ، نواب حاليون وسابقون، قائد الجيش العماد رودولف هيكل ، مديرون عامون، رؤساء بلديات ومخاتير وممثلون عن القيادات الامنية والدفاع المدني وحشد من المؤمنين.
في بداية القداس، ألقى محفوظ كلمة قال فيها: "عندما تتوقف الأعمال، ويهدأ الذهن، وترتاح الحواس، ويترك القلب حرًّا مفتّشًا عن أسباب فرحه، يفرح الكيان كلّه. ولا شكّ في أنّنا، نحن الحاضرين اليوم في عنايا، عند ضريح القديس شربل، نفرح بعيده، فهو مصدر إلهام نحو السماويّات، نحو الله، مصدر كلّ فرح، وهو مصدر راحة لكلّ نفس تلتجئ إليه في مسيرة الدنيا. نحن نشكر الله على القديس شربل الّذي يرافقنا بشفاعته وبمثاله وبحضوره".
أضاف: "في هذا جوّ الفرح الذي يعمّنا، نتوجّه بالشكر إلى صاحب الغبطة والنيافة البطريرك الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي الكليّ الطوبى، على ترؤسّه هذا القداس، وعلى بركته التي يمنحنا إيّاها، وعلى قيادة سفينة كنيستنا، في خطّ بطاركتنا الكبار الّذين طبعوا التاريخ اللبنانيّ. نشكر من القلب فخامة رئيس الجمهوريّة العماد جوزاف عون، الممثّل بيننا بمعالي الوزير فايز رسامني، الّذي نشكره أيضًا وهو صديق للدير. نرافق فخامته بصلاتنا ودعائنا لتنجح مهمّته في زيارته التاريخيّة هذا الأسبوع، من أجل خير لبنان وسلامه وازدهاره، لبنان، كلّ لبنان، في كلّ انتماءاته ومشاربه. كما أودّ أن أخصّ بالشكر سعادة السفير البابويّ سيادة المطران باولو بورجيا، وصاحبي السيادة، وجميع المقامات والحاضرين لأنّ وجودنا جميعًا، هنا، في عنايا، هو علامة لمحبّتنا لقدّيسنا العظيم مار شربل".
وختم: "رافقتنا شفاعته في كلّ يوم، لكي يكون القلب ممتلئًا فرحًا، على الدوام".
العظة
بعد الانجيل المقدس القى الراعي عظة قال فيها: "يسعدني أن أحتفل معكم بهذه الليتورجيا الإلهية إكرامًا للقديس شربل. فأهنّىء الرهبانية اللبنانية المارونية، بشخص رئيسها العام قدس الأباتي هادي محفوظ ومجلس المدبّرين ورئيس هذا الدير العامر. وأهنّئكم جميعًا أيها الحاضرون الأحبّاء، راجين أن ننال النعمة الإلهية التي بها تلألأ القديس شربل كالشمس في ملكوت الله".
وتابع: "عاش القديس شربل حياته كلّها بعيدًا عن الأضواء، ولم يكن في نظر الناس شخصية استثنائية. عاش ناسكًا متوحدًا، مجهولًا، مكتفيًا بالله وحده. لكن الله كان يرى فيه ما لم يره أحد، ولذلك، عندما اكتملت رسالته، أظهره للكنيسة وللعالم. إن القداسة لا تحتاج إلى ضجيج حتى تُعرف، بل إلى أمانة حتى تُثمر. وهذا ما عاشه مار شربل. لم يكن يسعى إلى أن يراه الناس، بل إلى أن يراه الله. لم يكن يبحث عن الاعتراف البشري، بل عن رضى الآب السماوي. لذلك، فإن حياته التي بدت مخفية، أصبحت بعد انتقاله نورًا يشرق على العالم كله. لقد تلألأ كالشمس، لا لأنه امتلك قوةً بشرية، بل لأن نعمة الله سكنت فيه. وما إن انتقل إلى بيت الآب حتى بدأت أشعة هذه القداسة تمتد إلى كل القارات، حتى أصبح اسم مار شربل حاضرًا في الكنائس والمزارات والبيوت والمستشفيات، في العالم كله، يرافق المتألمين، ويعزي الحزانى، ويشدد الضعفاء، ويقود الكثيرين إلى الإيمان، ويصنع العجائب".
واضاف: "هكذا تتحقق أمام أعيننا كلمة الرب: إن الإنسان الذي يختار الله أولًا، يجعل اللهُ منه نورًا للآخرين. هذا هو سر القديس شربل: عاش في الخفاء، لكنه ظهر بعد موته مشعًّا كالشمس. اختفى عن عيون الناس، لكنه بقي حاضرًا في قلوب المؤمنين، لأن القداسة لا تختفي، بل يزداد نورها مع مرور الزمن".
واردف: "إن الليتورجيا الإلهية التي نحتفل بها اليوم تجعلنا نعيش ما أعلنه الرب في الإنجيل، لأنها تكشف أن القداسة ليست فكرةً نتأملها، بل حياةً نغتذي منها. فالكنيسة، عندما تعيّد لقديسيها، إنما تمجد الله العامل فيهم، وتدعو أبناءها إلى أن يسيروا في الطريق نفسه. في عيد القديس شربل، نتذكر أن سرّ حياته كان سرّ الإفخارستيا. فمن قداسه اليومي استمد قوته، ومن كلمة الله استنار، ومن الصلاة الدائمة نمت قداسته. لذلك فإن أعظم تكريم نقدمه لهذا القديس لا يكون بالإعجاب بسيرته فحسب، بل بالاقتداء بإيمانه، والاتحاد بالمسيح، والعيش بأمانة للإنجيل، حتى تصبح حياتنا نحن أيضًا شهادةً حيةً لمحبة الله.
وقال: أسبوع يفصلنا عن الحدث العظيم في حياة الكنيسة المارونية ولبنان، هو الاحتفال بتطويب البطريرك مار الياس بطرس الحويّك (1843 – 1931)، عرّاب لبنان الكبير، ورجل العناية الإلهية، ومؤسّس جمعية راهبات العائلة المقدسة، صاحب الإنجازات الكبيرة في لبنان وروما وفرنسا والقدس، المشبَّه "بأرزة قوية صلبة، دائمة النضارة التي تجسّدت فيه. فمنها صلابته، وبأسه، وقلبه الكبير الكريم، وخصبه القدير" "حينئذٍ يتلألأ الأبرار كالشمس في ملكوت أبيهم" (متى 13: 43). بهذه الكلمة الإنجيلية نتأمل أيضًا في واقع وطننا. فكما يشرق الأبرار بنور الله، يبقى لبنان مدعوًا إلى أن يستعيد إشراقه الحقيقي، لأن هذا الوطن لم يُعرف يومًا إلا برسالته، وبحضوره، وبالقيم التي حملها إلى الشرق والعالم.
وأشار إلى أنه في عيد القديس شربل، يلتقي اللبنانيون حول قديسٍ وحّدهم في الإيمان والرجاء، لأن القداسة كانت وستبقى القاسم المشترك الذي يجمع أبناء هذا الوطن مؤكدا ان لبنان، مهما اشتدت عليه الأزمات، ومهما تعاظمت التحديات، ليس تائهًا ما دام الله يرافقه، وما دام قديسوه يسيرون معه ويشفعون له".
وقال: "هذا الرجاء هو الذي يدفعنا إلى التطلع بثقة إلى المستقبل، وإلى الإيمان بأن هذا الوطن قادر، بنعمة الله وبإرادة أبنائه، على أن يستعيد تألقه ودوره ورسالته فمن هذا المقام المقدس، وفي حضرة القديس شربل، نصلي من أجل لبنان، ومن أجل جميع مسؤوليه، لكي يوفقهم الله إلى كل ما يعزز وحدة الوطن، ويحصّن مؤسساته، ويحفظ كرامة شعبه، ويصون سيادته. فالسلام خيارنا، وعلى لبنان أن يختار طريق الحقيقة لا الأوهام، لأن الحقيقة وحدها تبني الدولة، وتجمع اللبنانيين، وتؤسس لمستقبل آمن ومستقر".
واعلن انه "من واجبنا الوطني دعم كل خطوةٍ تعيد للدولة هيبتها، وللبنان سيادته، ولشعبه أمنه واستقراره ، مؤكدا ان كل اتفاقٍ يحفظ سيادة لبنان، ويصون حقوقه الوطنية، ويعزز سلطة الدولة على كامل أراضيها، هو خطوةٌ تستحق الدعم، على أن يلتزم جميع الأطراف بتنفيذ موجباته كاملةً وبأمانة".
وجدد التأكيد على "أهمية تنفيذ اتفاق الإطار تنفيذًا كاملًا ودقيقًا، لما يشكله من مدخلٍ إلى ترسيخ سيادة الدولة، وبسط سلطتها الشرعية على كامل أراضيها، وتثبيت الأمن والاستقرار، وصون حقوق لبنان الوطنية"، مشيرا إلى أن تحقيق الغاية المرجوة منه لا يتوقف على نصوصه فحسب، بل على التزام جميع الأطراف بتنفيذ موجباته كاملةً وبأمانة.
ولفت إلى أن "الحياد الفاعل يبقى خيارًا وطنيًا لا غنى عنه، ينسجم مع هوية لبنان ورسالته، ويحصّنه من صراعات المحاور، ويعزز وحدته الداخلية، ويعيد إليه دوره التاريخي وطنًا للّقاء والحوار، ورسالةً للحرية والعيش المشترك"، معتبرا ان "لبنان لا يكتمل حضوره إلا بدولته، ولا تترسخ رسالته إلا بسيادته، ولا يطمئن مستقبله إلا بحيادٍ فاعلٍ يحفظه، ويُريح محيطه، ويجعله شاهدًا للسلام في هذا الشرق، وفاعلًا في سبيله".
وختم: "ولتبقَ عنايا، كما كانت دائمًا، منارة صلاة ورجاء، وليبقَ القديس شربل نورًا يرافق لبنان في مسيرته، حتى يستعيد هذا الوطن كامل إشراقه، ويظل أمينًا لهويته، ثابتًا في رسالته، ومشرقًا بنور الحق، كما أراده الله، لمجده تعالى الآن وإلى الأبد، آمين".
التهاني
وفي نهاية تقبل البطريرك الراعي والاباتي محفوظ والاب طربيه التهاني بالعيد في صالون الدير.