المصدر: اللواء
الكاتب: صلاح سلام
الخميس 10 أيلول 2026 02:16:13
لم تكن زيارة السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى إلى المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، ولقاؤه نائب رئيس المجلس الشيخ علي الخطيب، مجرد محطة عادية في جولة دبلوماسية، بل حملت في توقيتها ومضمونها دلالات سياسية تتجاوز حدود اللقاء نفسه. فأن تختار واشنطن مخاطبة البيئة الشيعية من بوابة مرجعيتها الروحية والوطنية، وفي لحظة بالغة الحساسية، يعيش فيها الجنوب وأهله تحت وطأة التصعيد الإسرائيلي، يعني أن الرسالة الأميركية لا تستهدف فريقاً سياسياً بعينه، بقدر ما تسعى إلى فتح قنوات مباشرة مع مكوِّن لبناني أساسي.
ولعل الأهم في كلام عيسى أنه حاول تقديم تطمينات واضحة إلى أن الانفتاح الأميركي على الشيعة اللبنانيين لا ينبغي أن يُفهم باعتباره عداءً لهم أو استهدافاً لبيئتهم. فقد شدد على أن واشنطن تريد مصلحة هذه البيئة، وعودة الأهالي إلى الجنوب ومنازلهم، مؤكداً تمسك الولايات المتحدة بسيادة لبنان على كامل أراضيه. وهذه الرسائل تكتسب أهمية مضاعفة في ظل حرب مفتوحة، وتوتر إقليمي يضع الطائفة الشيعية، ولا سيما أبناء الجنوب، في قلب تداعيات المواجهة.
لكن الانفتاح على البيئة الشيعية لا يعني، في المقابل، أن واشنطن بدّلت موقفها من حزب الله. فالسفير كان واضحاً في الفصل بين التواصل مع المكوِّن الشيعي وبين التواصل مع الحزب، مؤكداً أن أي حوار معه ينبغي أن يتم عبر الدولة ومؤسساتها. والأكثر دلالة قوله إن الأميركيين لم يستطيعوا فهم ما الذي يريده الحزب، في انتقاد مباشر لخيارات قيادته السياسية، ولا سيما في مرحلة تبدو فيها واشنطن راغبة في معرفة ما إذا كان الحزب يريد الانخراط في المسار السياسي للدولة، أم الاستمرار في مسار المواجهة المفتوحة.
ومن هنا تبرز، بصورة غير مباشرة، أهمية الدور الذي يقوم به رئيس مجلس النواب نبيه بري. فالموقف الأميركي من ضرورة إبقاء قنوات الدولة مفتوحة، ومن الحاجة إلى معالجة الأزمة عبر المؤسسات، يتقاطع عملياً مع الدور الذي يحاول بري القيام به لتطويق تداعيات المحنة على الجنوب والبيئة الشيعية، والعمل على تدوير الزوايا لتخفيف الخسائر، على نحو ما حصل في معالجة أزمة مرتفعات علي الطاهر. ولعل الإشادة الضمنية بهذا الدور تحمل رسالة إلى القيادات الوطنية، بأن واشنطن مستعدة للتعامل مع مَنْ يتحرك ضمن الأطر اللبنانية الجامعة، بعيداً عن منطق العزلة أو التفرُّد، على حساب الدولة والشعب.
أكثر من ذلك، يمكن قراءة زيارة عيسى إلى المجلس الشيعي كإشارة إلى أن واشنطن تريد بناء علاقة مستقبلية مع الشيعة اللبنانيين على قاعدة الشراكة الوطنية، لا المواجهة الطائفية. وهي في الوقت نفسه محاولة للقول إن الاعتراض الأميركي على حزب الله لا يعني حكماً الاعتراض على بيئته، وأن أبواب التواصل مع القيادات الوطنية، ولا سيما الشيعية ستبقى مفتوحة، شرط أن يكون عنوانها الدولة اللبنانية وسيادتها ومصلحة لبنان.