المصدر: المدن
الكاتب: لوسي بارسخيان
السبت 1 آب 2026 00:53:08
وصل جهاز "السكانر" إلى مركز جمارك المصنع الحدودي، في خطوة تُعدّ أساسية لاستكمال الإجراءات المطلوبة لإعادة فتح باب التصدير البري إلى المملكة العربية السعودية، وذلك بالتزامن مع حلحلة في منح أذونات الدخول لسائقي الشاحنات المبردة. ويأتي وصول الجهاز بعد أسابيع على إثارة "المدن" قضية "السكانر" المفقود، الذي شكّل أحد أبرز العوائق أمام استئناف التصدير إلى المملكة.
وتتكرّس الإيجابيات مع نهاية الأسبوع الجاري، إثر إبلاغ الهيئة العامة للتجارة الخارجية اتحاد الغرف التجارية السعودية موافقتها على استئناف استقبال الصادرات اللبنانية إلى السعودية، وهو ما تبلغت به أيضاً غرفة التجارة في الرياض، التي دعت مشتركيها والجهات المعنية إلى الاطلاع على مضمون التعميم والعمل بموجبه. إلا أن ذلك لا يعني أن تصدير البضائع إلى السعودية سيبدأ فوراً، إذ لا تزال أمام تنفيذ القرار السياسي للمملكة عقبات تقنية ولوجستية وتنظيمية، قد تتجاوز مسألة "السكانر"، وتستغرق معالجتها أياماً إضافية، وربما أكثر.
السكانر من المرفأ إلى المصنع
عند الرابعة من فجر يوم 18 تموز رُصد السكانر في طريقها من مرفأ بيروت الى الحدود اللبنانية في محلة المصنع. نقل واحدة من آلات الكشف التي تشرف عليها شركة CMA- CGMالمعنية بتشغيل وصيانة محطّة الحاويات في مرفأ بيروت منذ العام 2022، تطلب تدخلًا رسمياً مباشرًا، بعدما طال النقاش حول قضية السكانر "المعطل" في المصنع، وكثرت العروضات لاستبداله منذ مطلع شهر حزيران الماضي من دون ان تسفر عن أي نتيجة.
وبعد أكثر من عشرة أيام على استقرار السكانر داخل هنغار في الباحة الجمركية المخصصة للشاحنات الخارجة من لبنان عند معبر المصنع الحدودي، لم يشغّل سوى مرة واحدة لاختباره عمليًا، ليدخل من بعدها في مرحلة الانتظار.
ويقول رئيس نقابة فلاحي البقاع ابراهيم الترشيشي عاتباً على السلطات اللبنانية أنه كان يمكن أن تكتمل عملية المراقبة في مشاغل التوضيب، خصوصًا أن الإنتاج الزراعي المرسل برًا الى السعودية يمر تحت رقابة "السكانر" في أكثر من محطة، قبل أن يدخل الأسواق السعودية، ومع ذلك ربطت السلطات اللبنانية فتح أبواب التصدير البري للمنتجات الزراعية بتوفر السكانر أولًا.
وبحسب ما كشفه رئيس المجلس الأعلى للجمارك العميد مصباح خليل إثر تفقده للجهاز والاطلاع على الأعمال الجارية لتشغيله، فإن سكانر المصنع سيوضع في الخدمة مطلع الأسبوع المقبل، موضحًا أن "الأعمال تسير وفق البرنامج الزمني المحدد لها."
السكانر غير مكتمل
إلا أن مطلع الأسبوع قد لا يكون موعدًا نهائيًا لتشغيل السكانر بقدرته الكاملة، إذ عاد خليل وأوضح خلال لقاء جمعه ببلدية زحلة مع رئيسها وممثلي الهيئات الاقتصادية، أن الجهاز لا يزال بحاجة الى قطعة أساسية موّلت الـ CMA-CGMشراءها، وقد يستغرق وصولها عبر خدمة الـ DHLحتى نهاية الأسبوع المقبل. ولكنه أوضح أنه خلال هذه الفترة، يمكن استخدام الماسح لتمرير نحو أربعين شاحنة يوميًا، وهو ما وعد به بدءًا من نهار الثلثاء، الأمر الذي أكد خليل أنه التزم به وسيبذل كل الجهود لتنفيذه.
بحسب المعلومات التي توصلت اليها "المدن" فإن شركة CMA-CGMهي التي أمنت جهاز السكانر، بتمويل استغرق تأمينه أكثر من شهرين. وقد ربطت الشركة موافقتها على إدارة هذا الجهاز في المصنع بتأمين متطلبات سلامته، ووضعت مجموعة من المعايير اللوجستية المطلوب توفرها حماية للمنشأة، بما في ذلك إنشاء البنية التحتية اللازمة وتثبيت الجهاز وتأمين المسار الذي ستسلكه الشاحنات داخل الباحة الجمركية، إضافة إلى عقد الصيانة الخاص به. وتؤكد المصادر أن التجارب التقنية أنجزت بنجاح، وأن الجهاز أصبح يعمل من الناحية الفنية، ولم يبق سوى استكمال هذه الإجراءات تمهيداً للتشغيل الرسمي.
لا تصدير إلى السعودية حتى اللحظة
ولكن السكانر على أهمية وجوده في منطقة المصنع "لتسهيل حركة التجارة الشرعية وتسريع إجراءات الكشف على البضائع"، وفقًا لما قاله خليل، قد لا يكون العائق الوحيد أمام انسياب مواسم الفاكهة والخضار اللبنانية الى الأسواق السعودية. وقد كشفت المعلومات أن أياً من الكمّيات لم تعبر حتى الآن إلى السوق السعودية، لا بحراً ولا جواً ولا براً. وحتى المحاولة الوحيدة التي أثير الحديث عنها لإرسال كميات من الخس عبر البحر، تبيّن أنها لم تنطلق أساساً. كما أن غرفة التجارة والصناعة والزراعة في زحلة والبقاع، حيث منشأ معظم الإنتاج الصيفي، لم تصدر حتى الآن أي شهادة منشأ خاصة بالتصدير إلى السعودية، علماً أن حجم الصادرات البقاعية الى المملكة والمصادق على منشئها من غرفة زحلة كان الأكبر حتى العام 2015، وبدأ تراجعه منذ ذلك الحين نتيجة للتوترات على حدود سوريا البرية مع الأردن، وبدء العمل بالجسور البحرية، قبل فرض الحظر السعودي على لبنان، ومن ثم تراجع إصدار شهادات المنشأ للتصدير الى السعودية الى الصفر منذ العام 2022.
التصدير إلى باقي الخليج
في المقابل، يبدو أن عملية التصدير تمضي بسلاسة أكبر نحو دول الخليج العربي التي انقطع التصدير إليها في المرحلة الماضية أيضًا بسبب الحظر السعودي الذي شمل حتى حركة الترانزيت. ومع أن السكانر لم يشغّل بعد، فإن البضائع بدأت تتدفق برًا الى هذه الدول مرورًا بالسعودية، طالما أنها ليست موجهة الى أسواقها.
وبعدما كان السائقون يستحصلون على أذونات عبور السعودية نحو دول الخليج في بلد ثالث، عادت هذه الأذونات تمنح من السفارة السعودية في لبنان، وهو ما يؤشر الى حلحلة في مسألة الأذونات الممنوحة لسائقي الشاحنات المبرّدة التي شكلت أحدى العقد بوجه التصدير الى السعودية كما ذكر في تقرير "المدن" سابق.
وبقيت المعضلة الأساسية، وفقًا لما يشرحه نقيب سائقي الشاحنات المبردة أحمد حسين، متمثلة بأسطول الشاحنات اللبناني الذي لم يتجدد منذ وقف التصدير إلى السعودية، ما جعل أكثر من ثلثي الشاحنات يتجاوز شرط العمر التشغيلي الذي تفرضه المملكة، والبالغ عشرين سنة. ويشير إلى أن غالبية الشاحنات يبلغ عمرها اليوم نحو 24 سنة، الأمر الذي يمنعها من العمل على الخط السعودي. مطالباً الدولة اللبنانية بالتفاوض مع السلطات السعودية لرفع العمر المسموح به إلى 24 سنة، باعتبار أن ذلك سيعيد القسم الأكبر من الأسطول اللبناني إلى الخدمة.
وتبرز أيضًا مشكلة التسجيل الخارجي للشاحنات، والذي توقف نتيجة تفسير خاطئ للقانون، علمًا أن لجنة الأشغال والنقل النيابية ناقشت الملف في أكثر من خمسة عشر اجتماعاً، بانتظار تعديل القانون للسماح بتسجيل العدد الكافي من الشاحنات المخصصة للنقل الخارجي. وبحسب النقيب حسين، فإن أكثر من مئة شاحنة ممنوعة من التسجيل اليوم نتيجة للتأخر في صدور القانون.
عقبات السوق السعودية
ولا تتوقف المتطلبات عند الشاحنات، فالسوق السعودية، وفقًا لمصادر في غرفة التجارة في زحلة، أصبحت تعتمد آلية أكثر تشدداً لدخول المنتجات الغذائية، إذ تشترط تسجيل المنتج لدى الهيئة السعودية للغذاء والدواء (SFDA)، وهو تسجيل أساسي يستوجب عملياً وجود مستورد أو وكيل محلي لتلقي البضاعة في السعودية، وينظر اليه ككفيل لهذه البضائع. ورغم أن هذا الإجراء كان معمولاً به قبل عام 2022، إلا أن انقطاع التصدير لسنوات فرض على المصدرين إعادة استكمال هذه الإجراءات من جديد.
كما تغيّرت متطلبات السوق السعودية خلال السنوات الماضية، ولم تعد تقبل بأي منتج لا يستوفي المواصفات الفنية المطلوبة، والتي توازي في كثير من الأحيان معايير السوق الأوروبية. لذلك، لم يعد القرار السياسي وحده كافيًا لإعادة العلاقات التجارية التاريخية الى ما كانت عليه سابقًا.
وبين هذه التعقيدات، يحذر الترشيشي من أن استمرار التأخير يعني خسائر يومية كبيرة للقطاع الزراعي، قد تصل الى مليون دولار يوميًا في ظل ارتفاع كلفة الإنتاج وأسعار المازوت، فيما تضطر الأسواق اللبنانية إلى استيعاب إنتاج كان يفترض أن يصدر إلى أكبر سوق للمنتجات الزراعية اللبنانية.
هذا في وقت يطرح بعض المتابعين للملف تساؤلات تثير شكوكًا حول أسباب التأخير في تشغيل السكانر وما إذا كان متعمدًا، مستندين إلى سوابق شهد فيها المعبر تعطل أجهزة الكشف، وهو ما تنفيه الجهات الرسمية التي ترى أن إعادة فتح السوق السعودية ليس قرارًا يُنفذ بمجرد صدوره، بل مسار سيتطلب استكمال سلسلة من المتطلبات التقنية والتنظيمية. فهل تصدق الوعود باستكمال هذا المسار في الأسبوع المقبل، وتكون بداية العودة الفعلية إلى السوق السعودية، أم تبقى هذه العودة مؤجلة رغم الوعود والقرار السياسي؟