المصدر: المدن
الكاتب: فرح منصور
الأحد 17 أيار 2026 17:30:53
يُدخِل تقاطع الدوافع السياسية بالحسابات التقنية المعقدة مشروع قانون العفو العام في لبنان نفقًا جديدًا من "الكباش البرلماني".
إذ لم تعد الأزمة مقتصرة على التوازنات الطائفية التقليدية فقط، بل تحولت إلى معركة أرقام دقيقة وحسابات جنائية حول سقف العقوبات.
يسعى كل طرفٍ لتفصيل البيئة القانونية بما يتناسب مع ضغوط شارعه ومخاوف خصومه.
يبقى في هذا السياق ملف العفو العام في واجهة المشهد السياسي من بوابة ساحة النجمة. إذ يشهد مكتب نائب رئيس مجلس النواب إلياس ابو صعب يوم غد الإثنين 18 أيار اجتماعًا مفصليًا يضم ممثلين عن الكتل النيابية الكبرى. هذا الاجتماع ليس مجرد إجراء روتينيّ، بل هو "خرطوشة" أخيرة لمحاولة التوصل إلى صيغة توافقية قبل المجازفة بدعوة اللجان النيابية المشتركة للانعقاد.
المعادلة باتت واضحة: إما اتفاق شامل على النقاط الخلافية، أو نعي للمشروع وتجنب إحراجه في اللجان.
عقدة السنوات الخمس: 15 أم 20؟
تشير المعلومات التي حصلت عليها "المدن" من مصدر نيابي متابع إلى أنّ العقدة الأساسية التي ستطرح على طاولة أبو صعب تتمحور حول مدة تخفيض العقوبات وتحديد سقف الأشغال الشاقة المؤبدة. فبينما يبرز توجه لتحديد الأشغال الشاقة بعشرين سنة سجنية، يرفع النواب السنة، الذين سيمثلهم في اجتماع الغد النائب نبيل بدر، سقف المطالبة بتخفيضها إلى 15 سنة فقط.
هذا الفارق، أي الخمس سنوات، ليس مجرد تفصيل تقني، بل هو صلب الصراع السياسي والاجتماعي المحيط بالملف. فالنواب السنة، الواقعون تحت ضغط شعبي هائل من حاضناتهم الشعبية في بيروت وطرابلس وصيدا والبقاع، يدركون أن اعتماد سقف العشرين عامًا سيجعل من قانون العفو "هيكلًا بلا روح" بالنسبة لبيئتهم. وبحسب الأرقام المتداولة فإن اعتماد معدل العشرين عامًا لن يؤدي إلا إلى خروج 45 سجينًا فقط، وإلى خروج خمس سجناء سنويًا فقط من الفئة المستهدفة، ما يعني أن مفعول العفو سيكون شبه معدوم على الأرض.
الحالات الرمزية: ملف الأسير نموذجًا
تبرز في هذا السياق بعض الملفات الساخنة والأسماء الرمزية التي تشغل بال الرأي العام والشارع السنيّ، وعلى رأسها ملف الشيخ أحمد الأسير. تكشف مصادر "المدن" عن قراءة دقيقة لمفاعيل القانون في حال إقراره بصيغته المخفضة. إذ تؤكد المعلومات أن الأسير لن يخرج فورًا وعاجلًا بمجرد توقيغ القانون ونشره، خلافًا لما تروج له بعض القوى المتوجسة.
إلا أن المقترح المطروح، والذي يلحظ تخفيض عقوبتي الاعدام والمؤبد سيعني عمليًا أن الأسير قد يرى الحرية ويخرج من السجن في غضون 3 إلى خمس سنوات سجنية. هذا المخرج القانوني يمثل من جهة استجابة جزئية وضغطًا مدروسًا من الشارع السني لانهاء هذا الملف.
لكنه من جهة أخرى، يثير حفيظة بعض الجهات السياسية والأمنية التي لا تزال تضع "فيتو" مضادًا على تقديم أي تسهيلات تؤدي إلى خروج رموز "أحداث عبرا".
من المستفيد الأكبر؟
يحذر المصدر النيابي من أن الاصرار على صيغة العشرين عامًا بدلًا من الـ15، قد يؤدي إلى نتائج عكسية تمامًا للاهداف المعلنة للقانون. فبدلًا من انصاف "المظلومين" أو الذين قضوا فترات طويلة دون محاكمات عادلة، قد يصب هذا التحديد في مصلحة فئات أخرى تمامًا، وعلى رأسهم تجار المخدرات والمدانون بجرائم العمالة، والذين تمتلك ملفاتهم ثغرات قانونية تتيح لهم الاستفادة من هذا السقف الزمني بشكل أسرع.
في المقابل، يبدو أن القوى السياسية السنية لم تعد قادرة على تحمل "وزر المماطلة". فالشارع السني الذي يرى في استمرار احتجاز الاسلاميين لسنوات طويلة من دون أحكام نهائية أو ضمن ظروف قاسية خرقًا لمبدأ العدالة، يضغط بقوة على نواب الطائفة، والرسالة الواضحة التي سيحملها النائب بدر إلى اجتماع الإثنين هي "لا يمكننا تسويق قانونٍ لا يحرر المظلومين ولا يحفف الاكتظاظ السجني الحقيقي".
واقع السجون: قنبلة موقوتة
تفرض الأزمة المعيشية والاقتصادية نفسها على السجون اللبنانية. لم تعد الدولة قادرة على تأمين الحد الأدنى من الغذاء والطبابة لالاف السجناء. وتكشف معطيات المدن ان عددًا من السجناء الإسلامييين الذين يدار حولهم الجدل القانونيّ سيخرجون ببطاقة "حرية" خلال أشهر قليلة بعفو أو من دونه، نظرًا لانتهاء مدة محكوميتهم الفعلية.
هذا الواقع يطرح سؤالًا جوهريًا لماذا الاصرار على عرقلة العفو إن كان الوقت كفيلًا بحل جزء من الأزمة؟ الاجابة تكمن في "الرمزية السياسية" والرغبة في عدم منح أي طرف "انتصارًا" شعبويًا في هذا الملف الحساس.
سيناريوهات ما بعد الاثنين
يقول المصدر النيابي للمدن إن مصير جلسة اللجان النيابية معلق بنتائج "اجتماع أبو صعب". إذا تم التوافق على خفض سقف المؤبد إلى 15 سنة، وسحب "الفيتوات" المتبادلة، فقد نشهد ولادة قريبة لمشروع القانون في الهيئة العامة أما إذا بقي التصلب سيد الموقف، فإن خيار تطيير جلسة اللجان سيكون هو المرجح. وذلك تجنبًا للاشتباك السياسي المباشر تحت قبة البرلمان، وهروبًا من احراج القوى التي ترفض التنازل.
اللافت في المشهد هو التقاطع بين المطالب الحقوقية والضغوط السياسية، فالمطالبة بـ15 سنة أو بـ17، ليست مجرد رغبة في تبييض السجون، بل هي محاولة لتصحيح مسارٍ قضائي تعثر لعقودٍ، ولتنفيس احتقان طائفي ومناطقيّ كاد أن ينفجر في أكثر من محطة.
لبنان اليوم أمام امتحان "العدالة المتأخرة"، فالعفو العام ليس مجرد ورقة للمقايضة السياسية، بل هو ضرورة انسانية في ظل انهيار المؤسسات السجنية. سيكون اجتماع الإثنين في مكتب أبو صعب الاختبار الحقيقي للكتل النيابية: هل يغلب منطق "تصفية الحسابات" و"توازنات الردع" السياسية؟ أم يتقدم منطق معالجة ملف السجون التي باتت أشبه بمقابر للاحياء؟ الشارع يراقب والقوى السياسية تدرك أن الفشل هذه المرة قد تكون كلفته غاليةً جدًا، ليس فقط في السياسية بل في أمن المجتمع واستقراره الهش.