المصدر: المدن
الكاتب: سمير الجسر
الخميس 7 أيار 2026 12:40:46
ليس كل ما نشهده ونراه يبعث على الطمأنينة. هناك قصص صغيرة تعبّر عن عمق أزمتنا الوطنية، وهي كثيرة للأسف وفاضحة في مدلولاتها الداخلية. فعلى سبيل المثال لا الحصر، لفتني وأنا أغادر مطار رفيق الحريري الدولي منذ أيام، صورة كبيرة لسياسي غير لبناني تحيط بالشارع المؤدي إلى المطار.
شعرت كأنني في مدينة غير مدينتي، وبلد غير بلدي. غصّة كبيرة اعترتني، ودفعتني لطرح العديد من الأسئلة. وفي نهاية الأسبوع المنصرم، توجّهت إلى طرابلس مدينتي، فرأيت أيضاً صوراً لقيادات غير لبنانية. وسألت نفسي: هل هذا طبيعي؟ الجواب واضح: لا.
أي لبناني ينتقل من منطقة إلى أخرى يشعر بالأمر نفسه. هذا ليس تفصيلاً، بل مؤشراً.
لكن السؤال الحقيقي ليس ماذا نشعر، بل لماذا وصلنا إلى هنا؟
منذ الاستقلال، بنينا نظاماً مركزياً ركّز القرار والاستثمار والفرص في بيروت وجبل لبنان، وترك مناطق بكاملها، مثل طرابلس والبقاع والجنوب، على هامش الدولة.
النتيجة لم تكن فقط تراجعاً اقتصادياً، بل تراجعاً في الإحساس بالانتماء.
طرابلس ليست حالة استثنائية، لكنها مثال واضح.
مدينة كانت يوماً من أهم المراكز الاقتصادية في المنطقة. مرفؤها نشط، وأسواقها تعجّ بالتجار من حمص وحماة وحلب والعراق وسواها. وقد استثمر فيها الصليبيون والمماليك والعثمانيون على مدى مئات السنين، ولا تزال آثارهم خير دليل على حيوية هذه المدينة ودورها التاريخي.
اليوم، يعمل مرفأها بجزء بسيط من طاقته الفعلية، ولا يتجاوز أداؤه 10% من إنتاجية مرفأ بيروت، رغم أن مساحته ضعف مساحة مرفأ بيروت. وقد خسر دوره التاريخي كأحد أهم أربعة مرافئ في شرق المتوسط، ليس لغياب الإمكانات، بل لأن طرابلس لم تعد تملك قرارها.
حتى أبسط التعيينات فيه تحتاج إلى مسار معقّد: مجلس خدمة مدنية، مناصفة، توافق سياسي، حكومة قائمة، والوزير المعني. في بلدٍ تتعطّل فيه الحكومات ويغيب فيه التوافق، تصبح هذه الآلية سبباً دائماً للشلل.
النتيجة معروفة: فرص تضيع، بطالة تكبر، مؤسسات مشلولة، ومرافق استراتيجية بلا إدارة. مرفأ طرابلس بقي نحو عشر سنوات من دون مجلس إدارة بسبب تجاذبات سياسية وطنية لا علاقة لها بمصالح المدينة. وهذا الواقع لا يقتصر على طرابلس وحدها. الجنوب والبقاع وغيرهما يعيشون المشكلة نفسها.
عندما تغيب الدولة عن دورها الإنمائي، لا يبقى الفراغ فارغاً. أحدٌ ما سيملؤه.
وحين يُحرم المواطن من الفرص، يبحث عمّن يؤمّن له الحد الأدنى من الاستقرار، حتى لو كان خارج إطار الدولة. المشكلة ليست في الناس، بل في النظام.
نظام مركزي بطيء، معقّد، لا يملك سرعة القرار، ولا يوزّع الفرص بعدالة. ومع الوقت، تتآكل الثقة، وتصبح الأولوية لأي جهة تعطي نتيجة، لا للدولة الغائبة. اللامركزية ليست مطلباً مناطقياً، ولا شعاراً سياسياً.
هي ببساطة شرط للفعالية: سرعة في القرار، وضوح في المسؤولية، ومحاسبة حقيقية. إعادة الدور الاقتصادي لطرابلس، كما للجنوب والبقاع، ليست خدمة لهذه المناطق فقط، بل مصلحة للبنان كله.
لا يمكن بناء اقتصاد متوازن إذا بقيت الأطراف خارج المعادلة، ولا يمكن قيام دولة قوية إذا كانت أطرافها ضعيفة.
ولا يمكن لأي مستثمر أن يثق ببيئة لا تملك قرارها، أو بمؤسسات تنتظر التوافقات لتدير أبسط شؤونها.
المطلوب واضح:
لامركزية إدارية حقيقية تعطي كل منطقة القدرة على إدارة شؤونها ضمن إطار الدولة، وتحرّرها من الجمود الذي نعيشه. بهذا نستعيد الدور، نخلق فرصاً، ونحمي الانتماء. لأن البديل واضح وخطير: كلما ضعفت الدولة، قويت الولاءات البديلة. والخيار اليوم لم يعد بين مركزية ولامركزية، بل بين دولة قادرة أو دولة يتجاوزها الجميع.