الثلاثاء 8 آذار 2022

08:37

المرأة اللبنانية بين النضالات والقوانين المجحفة

المصدر: independent arabia
الكاتب: كارين اليان ضاهر

تسعى المرأة اللبنانية من عقود إلى الحصول على حقوقها وإلى إثبات وجودها في مختلف المجالات. استطاعت بالفعل الانخراط في مجالات عديدة، مجالات لطالما اعتُبرت حكراً على الرجل وحققت إنجازات لا تعد ولا تحصى على الصعيد المهني عبر المشاركة الفاعلة، وأثبتت إمكاناتها وقدراتها في تحمّل المسؤوليات كافة التي يمكن أن تلقى على عاتقها. على الرغم من ذلك، لا تزال تعاني من إجحاف بحقها ومن التمييز بينها وبين الرجل في معظم القوانين التي تحرمها من حقها في المشاركة في الحياة السياسية وفي الحصول على حقوقها كاملة، وإن كانت تشكل نصف المجتمع. هذا الإجحاف تأتي الثقافة الذكورية السائدة في المجتمع لترسخه ما يزيد من التحديات أمامها في مسيرتها لتحقيق المساواة. 

قوانين مجحفة ومشاركة خجولة

جاء في دراسة لمنظمة العمل الدولية أن تقليص الفجوة بين الجنسين بنسبة 25 في المئة يزيد الدخل القومي في لبنان بقيمة 9 مليارات دولار. وسواء على صعيد المهني أو في مختلف المجالات الحياتية أثبتت المرأة اللبنانية مراراً كفاءة عالية على الرغم من التمييز الجندري الذي لا يزال مترسخاً في المجتمع بسبب الذهنية السائدة. إلا أن الجهود التي تبذلها، تصطدم دوماً بالقوانين المجحفة وبالمعايير التمييزية التي تقلل من شأنها. 

ووفق ما تؤكده رئيسة الهيئة الوطنية لشؤون المرأة اللبنانية كلودين عون روكز في حديثها مع "اندبندنت عربية" حصلت المرأة على جزء من حقوقها وقد أنجزت تعديلات في القوانين تنصفها إلى حد ما منها قانون تجريم التحرش الجنسي وتعديل قانون العنف الأسري. لكن لا تزال القوانين مجحفة بحقها ومنها قانون الأحوال الشخصية وقانون حق المرأة اللبنانية بنقل جنسيتها إلى أولادها، مشيرة "لا يمكن أن ننكر أن المرأة قطعت شوطاً كبيراً على الصعيد المهني والعلمي، إنما لا يزال الطريق شائكاً أمامها لجهة مشاركتها في مواقع صنع القرار السياسي. ويعود ذلك إلى الثقافة الذكورية السائدة التي تحصر العمل في الشأن العام بالرجال".

استطاعت المرأة اللبنانية الانخراط في الحياة السياسية في السنوات الماضية، لكن مما يبدو واضحاً أن مشاركتها فيها لا تزال خجولة. حتى أن المجالس النيابية اتسمت بضعف تمثيل المرأة ما وضع لبنان في المراتب الأخيرة عالمياً على صعيد مشاركة المرأة في صنع القرار السياسي. وقد تكون القوالب النمطية إضافة إلى الأنظمة والقوانين أهم العوائق التي تصادفها في كل مرة تسعى فيها إلى الوصول إلى مراكز صنع القرار. فالثقافة الذكورية لا يمكن أن تتغير بين ليلة وضحاها وهي تساهم في ترسيخ الفجوة بين الجنسين. فتبرز هنا ضرورة تحويل المؤسسات والنظم السياسية عن طبيعتها الذكورية لتعزيز المشاركة السياسية للنساء، مع ما لذلك من انعكاس على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. 

 

التغيير ممكن لكن الطريق طويل

الطريق طويل أمام المرأة لتحصل على حقوقها كاملة وتتحقق المساواة، تماماً كما في الحروب التي اندلعت والنضالات الهادفة إلى إلغاء العنصرية. فكلها مرّت بالمراحل نفسها لأن تغيير ثقافة المجتمع يتطلب وقتاً طويلاً ونضالات لسنوات عديدة. "تحتاج المرأة اللبنانية الراغبة في العمل في الشأن العام وتبوء مراكز قيادة أن تحصن نفسها نفسياً وعاطفياً لأي موقف يمكن أن تتعرض فيه للعنف اللفظي كامرأة، لدى الدخول في أي جدال، وثمة تجارب عديدة لنساء في هذا المجال عندما خضن العمل السياسي. بشكل عام، مشاركة المرأة لا تحصل بطريقة متساوية مع الرجل بوجود كل هذه التحديات أمامها وبوجود القوانين المجحفة بحقها أيضاً"، بحسب عون، ومن هنا، كان المطلب الأساسي بتعديل قانون الانتخابات لتضمينه كوتا نسائية لضمان وصول النساء إلى الندوة البرلمانية. إلا أن القانون لم يناقش في المجلس النيابي ولم يعطَ الأهمية الكافية.

تشدد عون على أنه لا يمكن التقليل من شأن المرأة كما يحصل حالياً، واستبعادها من مجالات معينة. هي تشكّل نصف المجتمع وتقوم بكافة واجباتها وتتحمل كافة مسؤولياتها في الدولة والمجتمع، تماماً كالرجل. فكما لها واجبات تتحملها، لها حقوق يجب أن تعطى لها ولكافة فئات المجتمع، ومنها ذوي الاحتياجات الخاصة والكبار في السن الذين تعتبر القوانين مجحفة بحقهم أيضاً، "المطلوب وضع سياسات تأخذ بعين الاعتبار كافة فئات المجتمع من دون استثناء أو انتقاص لحقوق أي منها. أما القوانين فيجب أن توضع بمقاربة إنسانية تأخذ بعين الاعتبار الفئات كلها".

يوم للذكرى لا للاحتفال

من جهتها ترفض الناشطة النسوية ومؤسسة منظمة Fe-male حياة مرشاد اعتبار اليوم العالمي للمرأة بمثابة احتفال بالمرأة، كما تصوّره الأنظمة التي تصفها بالاستهلاكية والتي تظهر هذا اليوم وكأن الهدف منه إعطاء المرأة حقّها بوردة أو هدية. ففي الواقع، أتى هذا اليوم نتيجة نضالات كثيرة لنساء لتحقيق المساواة، والهدف منه استعادة إنجازاتهن في هذا المجال. أما في لبنان فالحراك النسوي ليس بجديد، بل يعود وجوده إلى أربعينيات أو خمسينيات القرن الماضي، كما توضح مرشاد، مشيرة إلى أن أهم المطالبات في هذه المسيرة الطويلة كانت حق الترشح وحق التصويت للمرأة في عام 1952.

واللافت أن لبنان كان البلد العربي الأول الذي تمكنت فيه المرأة من انتزاع حق المشاركة في الحياة السياسية، فيما تظهر المقارنة مع الدول العربية اليوم أن لبنان أصبح في مرتبة متأخرة في ذلك، وتقول مرشاد "السبب وراء وضع المرأة اللبنانية هنا، يرتبط بالسلطة السياسية والتركيبة السياسية المنفّرة لها والتي تمنعها من المطالبة بكامل حقوقها ومن المشاركة الفعلية. أما مشاركة المرأة في الوزارات فتخضع إلى أهواء الطبقة السياسية حيث تأتي المرأة المشاركة فيها من الطبقة الحاكمة نفسها لا من المجتمع المدني التغييري. يضاف إلى ذلك أن الذهنية القبلية الذكورية تشكل عائقاً إضافياً حيث لا يُنظر إليها من منطلق الكفاءة بل على أساس أنها امرأة. للأسف هناك حائط أمام المرأة التي هي نصف المجتمع، ما يحرمها من حقها في المشاركة في الحياة السياسية وفي مجالات عديدة أخرى".

مما لا شك فيه أن الحراك النسوي استطاع تحقيق الكثير للمرأة اللبنانية. ومن أهم الإنجازات التي تحققت قانون حماية المرأة من العنف الأسري الذي تم تعديله، وأيضاً قانون التحرش الجنسي في أماكن العمل. لكن في قوانين الأحوال الشخصية التمييز الصارخ الأكبر بحق النساء والانتهاك الأهم لحقوقهن في الوصاية والزواج والطلاق ومنح الجنسية للأطفال. كما أنه ثمة مشكلة في الثغرات المرتبطة بتطبيق القوانين، خصوصاً أن المنظومة ذكورية ومن الصعب تغييرها. وتؤكد مرشاد أن الحراك النسوي أخفق في أماكن معينة بسبب الذهنية السائدة التي لا بد من تغييرها. لذلك ثمة تركيز اليوم على التوعية في المجتمع من خلال لقاءات وورش تدريبية لأن التغيير يجب أن يبدأ من هنا.

X