"الهروب من الخريطة".. حزب الله يعيد توزيع بنيته السرية خارج معاقله التقليدية

تكشف معلومات أمنية خاصة لـ"إرم نيوز" عن بدء حزب الله تنفيذ عملية إعادة انتشار داخل لبنان، تقوم على شراء واستئجار عقارات وشقق ومبانٍ خارج نطاق وجوده التقليدي في الضاحية الجنوبية والجنوب والبقاع، ونقل مكاتب وكوادر وأصول مالية وتنظيمية إليها، ضمن خطة تهدف إلى تفكيك الخريطة الجغرافية التي باتت تجعل جزءاً كبيراً من بنيته مكشوفاً أمام الاستهداف والمراقبة.

وقال مصدر أمني لبناني لـ"إرم نيوز"، إن الأجهزة اللبنانية رصدت منذ حرب 2026 عمليات شراء واستئجار ينفذها رجال أعمال ووسطاء مرتبطون بحزب الله، مؤكداً أن التحركات لا تقتصر على استثمارات عقارية فردية، بل تقف خلفها توجيهات من قيادة الحزب لإعادة توزيع جزء من بنيته بعيداً عن المناطق التي ارتبطت به لعقود.

وبحسب المصدر، يستخدم رجال الأعمال شركات ووسطاء وأسماء لا ترتبط مباشرة بالحزب في عمليات الشراء والاستئجار لإخفاء هوية المستفيد الحقيقي، بينما تشمل الخطة نقل مكاتب وكوادر وأصول مالية وتنظيمية إلى المواقع الجديدة. 

نحو مناطق الحلفاء

وكانت تقارير حديثة نشرتها وسائل إعلام لبنانية، تحدثت عن عمليات شراء غير مسبوقة في بعبدات والسفيلة في المتن. وأشارت إلى أن خريطة عقارية أظهرت عشرات القطع المتلاصقة، وأن وسطاء وشركات عقارية يبحثون عن الأراضي، بما فيها قطع كبيرة ومتجاورة وقريبة من الطرق الرئيسية. إلا أنها لم تؤكد تبعيتها لحزب الله.

ولكن المصدر الأمني، يلفت إلى أن عمليات البحث والشراء، تتركز أكثر في أجزاء من بعبدا وعاليه والشوف، إضافة إلى مناطق في بيروت خارج الضاحية الجنوبية، فيما يجمع بينها عاملان أساسيان؛ قربها الجغرافي من مراكز الحزب التقليدية، ووجود حلفاء مسيحيين ودروز للحزب في محيطها السياسي والاجتماعي.

ولا تتحدث المعلومات عن خطة لتغيير التركيبة السكانية لهذه المناطق أو عن مسؤولية سكانها أو النازحين إليها عن تحركات الحزب، وإنما عن شبكة محددة من العقارات يحاول الحزب استخدامها لتوزيع بنيته التنظيمية.

ويكتسب هذا التمييز أهمية خاصة بعدما دفعت حرب 2026 أعداداً كبيرة من اللبنانيين إلى النزوح من الجنوب والبقاع والضاحية، ما خلق حركة طبيعية واسعة للسكن والاستئجار والانتقال إلى بيروت وجبل لبنان. وبالتالي تستطيع عمليات شراء أو استئجار محدودة يجريها وسطاء التحرك وسط سوق أكبر يصعب فيها التمييز بين الحاجة المدنية العادية والاحتياجات التنظيمية.

العنوان.. نقطة ضعف

وتتقاطع معلومات "إرم نيوز" مع تقديرات نشرها مركز "ألما" الإسرائيلي في مارس/ آذار تحدثت عن انتقال جزء من نشاط القيادة والسيطرة والاجتماعات وإقامات شخصيات مرتبطة بحزب الله إلى مناطق مسيحية ودرزية في جبل لبنان وأحياء بيروت الواقعة خارج الضاحية. واعتبر المركز أن توزيع الأصول جغرافياً يمثل محاولة لتقليل قابليتها للاستهداف وإرباك المراقبة الاستخباراتية. 

وتوفر التطورات العسكرية الأخيرة تفسيراً للدافع وراء هذا التحول. فقد أدى سقوط مجمع علي الطاهر إلى كشف شبكة تحت الأرض بطول كيلومترين ضمت مراكز قيادة ومستودعات أسلحة ومنشآت تابعة لوحدة بدر، بحسب الجيش الإسرائيلي، بعدما كان الموقع يمثل أحد أبرز مراكز الحزب شمال الليطاني.

وقال المصدر الأمني إن إحدى الخلاصات التي خرج بها الحزب من الحرب هي أن تركيز المكاتب والقيادات والمراكز التنظيمية والمالية في نطاقات معروفة حوّل الجغرافيا التي وفرت له الحماية سابقاً إلى نقطة ضعف.

لذلك لا تتجه الخطة، وفق المصدر، نحو بناء "ضاحية جديدة" في جبل لبنان، وإنما إلى العكس تماماً؛ عبر شراء شقق ومكاتب ومواقع صغيرة موزعة، لا تحمل هوية حزبية ظاهرة ولا يجمع بينها عنوان جغرافي واحد.

إعادة بناء موزعة

وهذا الاتجاه لا يقتصر على الجانب المدني والتنظيمي. فقد رصد (مشروع بيانات مواقع النزاع المسلح وأحداثها - ACLED) تحولاً في الأسلوب العسكري للحزب منذ مارس/آذار، يقوم بصورة متزايدة على الخلايا الصغيرة ومواقع الإطلاق الموزعة والمشغلين عن بُعد، بدلاً من التشكيلات الكبيرة والظاهرة. كما تراجع نصيب الاشتباكات المباشرة من نشاطه مقارنة بحرب 2024، بالتوازي مع ارتفاع الاعتماد على المسيّرات والهجمات الأقل انكشافاً.

وبذلك تظهر ملامح نموذج أوسع يقوم على تقليل التجمعات الكبيرة وتوزيع الأشخاص والأصول والقدرات على عدد أكبر من النقاط.

"حزام ثانٍ" بلا عنوان

ولا يعني الانتقال الجديد، بحسب المصدر الأمني، أن حزب الله يستعد للتخلي عن الضاحية الجنوبية أو الجنوب والبقاع، فهي ستبقى مناطق ثقله الاجتماعي والسياسي، وإنما يسعى إلى إنشاء ما يمكن وصفه بـ"حزام ثانٍ" حول جغرافيته الأصلية.

والفارق أن هذا الحزام لن تكون له حدود واضحة، كما يقول؛ فالعقار قد يكون مسجلاً باسم رجل أعمال، والمكتب مستأجراً بواسطة شركة، والشقة باسم شخص لا يظهر ارتباطه بالحزب، بينما تتوزع المواقع بين بلدات وأحياء مختلفة.

وبذلك قد تكون إحدى أهم عمليات إعادة الهيكلة التي يجريها حزب الله بعد حرب 2026 أقل ظهوراً من إعادة توزيع مخازن الصواريخ والسلاح. فبعد سنوات امتلك خلالها الحزب جغرافيا معروفة يمكن تحديدها على الخريطة، تشير المعلومات الأمنية الجديدة إلى أنه يحاول بناء نموذج مختلف يقوم على الاحتفاظ بمعاقله، لكن مع توزيع جزء من بنيته خارجها، بحيث يصبح العثور على "عنوان حزب الله" أكثر صعوبة من السابق. 

محاولة للتكيف

في هذا السياق، يرى المحلل السياسي بسام السليمان أن انتقال حزب الله إلى شراء واستئجار عقارات خارج مناطقه التقليدية، إذا كان يجري ضمن قرار تنظيمي، فإنه يعكس محاولة للتكيف مع واقع أمني مختلف فرضته الحرب، بعدما أصبحت الجغرافيا المعروفة للحزب عاملاً يساعد على رصد بنيته واستهدافها.

ويقول السليمان لـ "إرم نيوز" إن توزيع المكاتب والكوادر والأصول على مناطق مختلطة وقريبة من مراكز نفوذ الحزب يتيح له تخفيف التركّز الجغرافي من دون الابتعاد عن بيئته الأساسية وشبكات حلفائه. 

ويضيف أن استخدام الوسطاء والشركات في هذه الحالة ينسجم مع الحاجة إلى تقليل الظهور التنظيمي، لكنه قد يفتح في المقابل حساسيات سياسية واجتماعية داخل المناطق التي تشهد هذا الانتشار.