المصدر: المدن
الكاتب: مالك دغمان
الثلاثاء 9 حزيران 2026 02:27:40
في قرى الشريط الحدودي لجنوب لبنان، لم يعد الصمود مجرد خيار سياسي أو شعار يُرفع في المناسبات؛ إنه مواجهة يومية مع الموت، وتشبث بالأرض يتغذى من غريزة البقاء وذاكرة الفقد. هناك، حيث تتداخل أصوات القذائف الإسرائيلية بصواريخ حزب الله التي تنطلق فوق الرؤوس، يعيش الآلاف من أبناء قرى قضاء مرجعيون وحاصبيا واقعاً معزولاً ومرعباً، تتكامل فيه المخاطر الأمنية مع الأزمات المعيشية والتربوية، لتجعل من حركة التنقل البسيطة مغامرة قد تنتهي بفاجعة.
دماء الراعي تثبّت الأرض
تروي سيدة من بلدة القليعة لـ "المدن" (فضلت عدم الكشف عن اسمها نظراً لحساسية الوضع الأمني) تفاصيل الأيام القاسية التي تعيشها المنطقة منذ ما يقارب الثلاثة أشهر على اندلاع الحرب. تبدأ حديثها بالعودة إلى نقطة التحول الكبرى في وجدان أبناء المنطقة. وتقول إن في بداية الحرب خسروا كاهن الرعية الأب بيار الراعي، وكانت خسارته فاجعة كبرى لهم، لكن استشهاده تحول إلى حافز وعقد غير مكتوب للبقاء في أرضهم. وتضيف أنها شخصياً كانت في الأسبوع الأول تشعر بتعب شديد ولم تعد تحتمل سماع أصوات القصف المتواصل، لكن بعد استشهاد الكاهن، اتخذ أهالي بلدة القليعة قراراً بعدم المغادرة، وحتى الناس الذين كانوا ينزحون في الحروب الماضية نحو بيروت، بقوا هذه المرة في الضيعة.
في البداية، كان الوضع مقبولاً نسبياً من الناحيتين الاجتماعية والمعيشية، رغم أن القرى كانت تقع جغرافياً بين نارين، حيث تسقط القذائف الإسرائيلية وفي الوقت عينه تنطلق صواريخ حزب الله. لكن الأيام القليلة الماضية حملت تصعيداً غير مسبوق. فمع تقدم القوات الإسرائيلية زادت حدة القصف الجوي وارتفعت وتيرة اعتراضات صواريخ الباتريوت، ليترافق ذلك مع حصار خانق أحدثه إغلاق طريق دبين بعد توغل القوات الإسرائيلية فيها، وهي الطريق التي كانت تشكل شريان الحياة الآمن والرابط نحو حاصبيا والبقاع وبيروت.
جسر الخردلي: معبر الموت وامتحانات الدم
مع تعذر سلوك طريق دبين، لم يعد أمام الأهالي سوى طريق الخردلي، التي تحولت إلى مصيدة للموت بسبب استهدافاتها المتكررة. وتحت وطأة هذا الحصار، تفجرت مأساة الطالبة الجامعية ثيودوسيا، ابنة الطبيب جيمس كرم الذي فضّل الصمود في بلدته، والتي اضطرت إلى مغادرة المنطقة متوجهة إلى بيروت لتقديم امتحاناتها الجامعية في فرع الجامعة هناك. لم يكن خروجها ترفاً، بل محاولة لإنقاذ مستقبلها الأكاديمي الذي فرضته الإدارة الجامعية بإصرارها على الامتحانات الحضورية. وخلال رحلة العودة، استهدفت مسيرة إسرائيلية السيارة التي تقل العائلة، لتتحول رحلة العلم إلى فاجعة تضج بها المنطقة.
هذه الحادثة فجّرت صرخة غضب عارمة أطلقها أهالي الطلاب والمدارس في المنطقة. وتقول مقربة من عائلة كرم لـ "المدن" إن الوضع النفسي للطلاب منهار تماماً، وتسأل كيف يمكن لهؤلاء الأولاد أن يركزوا في امتحاناتهم وهم يعيشون تحت قصف لا يهدأ ليلاً ونهاراً فيما الأصوات مرعبة والموت يتربص بهم عند كل منعطف؟ كما تؤكد أنه ليس لدى الجميع القدرة المادية على الانتقال والسكن خارج المنطقة. ولذلك يطالب الأهالي وزيرة التربية ريما كرامي بالتدخل الفوري لاتخاذ قرار ينصف طلاب الجامعات اللبنانية والخاصة عبر اعتماد الامتحانات عبر الإنترنت أونلاين أو حتى الغائها.
ندرس على صوت الانفجارات
استمعت "المدن" إلى شهادات بعض الطلاب الصامدين في تلك القرى، لتوثيق هذا الواقع التربوي السريالي المعمّد بالخوف:
يقول شربل، وهو طالب في كلية الهندسة من سكان القليعة، إن الجامعة تطلب منهم تقديم مشاريع وحضور امتحانات، وهم لا يدركون أنهم يمضون الليل في الممرات والملجأ.
ويضيف أن الإنترنت ينقطع لساعات طويلة بسبب قصف أبراج الإرسال، والكهرباء شبه معدومة، وعندما يحاول التركيز لحل مسألة هندسية يهتز المنزل بالكامل إثر غارة جوية، مؤكداً أنهم لا يطالبون بإعفائهم من التعليم بل يريدون امتحانات أونلاين كخيار وحيد للبقاء على قيد الحياة.
أما ميا، وهي طالبة آداب في الجامعة اللبنانية من سكان جديدة مرجعيون، فترى أن رحلتهم إلى مراكز الامتحانات في صيدا أو بيروت أصبحت أشبه برحلة نحو الموت.
وتتابع قائلة إنه بعد الذي حصل مع زميلتهم ثيودوسيا وعائلتها على جسر الخردلي، أصيب جميع الطلاب بحالة من الرعب الحقيقي، وأهلها اليوم يرفضون خروجها من البلدة ويفضلون خسارة عام دراسي على خسارة حياتها، معتبرة أن وزارة التربية تتصرف وكأن الطلاب يعيشون في بلد آخر ولا ترى خط النار الذي يعبرونه يومياً.
خريطة الصمود تحت الحرب
رغم الموت المحلق في الأجواء، تكشف الأرقام الميدانية الخاصة التي حصلت عليها "المدن" عن حجم الصمود الأسطوري للعائلات في قضاء مرجعيون وبعض قرى حاصبيا، حيث يرفض الآلاف ترك منازلهم ويتوزعون في بلداتهم متمسكين بالأرض. وتتصدر بلدة القليعة المشهد بأعلى نسبة صمود حيث يبلغ عدد أفرادها الصامدين نحو 2400 شخصاً يتوزعون على 800 عائلة، تليها بلدة جديدة مرجعيون التي تضم 1400 صامد من أصل 500 عائلة، ثم إبل السقي التي لا تزال تجمع 1200 فرد ينتمون إلى 350 عائلة.
ولا يتوقف نبض البقاء هنا، إذ تسجل بلدة برج الملوك صمود 700 فرد من 160 عائلة، وتتبعها بلدة كوكبا بـ 450 صامداً يتوزعون على 150 عائلة. أما في ديرميماس فيبلغ عدد الصامدين 350 شخصاً من 120 عائلة، بينما يسجل في راشيا الفخار بقاء 300 فرد من 90 عائلة. وفي القرى الأقل عدداً كالبويضة، لا يزال هناك 220 صامداً من 70 عائلة، وصولاً إلى بلدة أبو قمحة التي يتشبث بأرضها 100 صامد ينتمون إلى 30 عائلة.
أهالي هذه القرى، بمسلميها ومسيحييها ودروزها، يواجهون اليوم ليس آلة الحرب فحسب، بل يواجهون أيضاً عقم القرارات الرسمية والجامعية التي لا تراعي خصوصية العيش في بؤرة النار. صرخة الأهالي والطلاب اليوم واضحة، ولخصتها الشهادات بأنهم يريدون مواصلة التعليم، لكنهم لا يريدون أن يدفع الطلاب دماءهم ثمناً لشهادة جامعية.