المصدر: النهار
الكاتب: طوني عطالله
الثلاثاء 3 شباط 2026 08:39:48
ليست الانتخابات النيابية مجرد إجراء دوري لتجديد السلطة، بل هي التعبير عن السيادة الشعبية في الدولة الدستورية. وهي استحقاق دستوري لا يجوز الاستهانة به أو تعطيله بلا أسباب جسيمة وموجبة. شكك العديد من النواب خلال مناقشات موازنة 2024 بأن الظروف غير متوافرة لإجراء الانتخابات حتى أن البعض جاهر بأنه سيتقدم باقتراح قانون لتأجيلها سنة أو إثنتين. السؤال المطروح في لبنان ليس: هل يجب إجراء الانتخابات؟ بل هل يمكن إجراؤها من دون المساس بالشرعية وبجوهر السيادة؟ وأمام هذا السؤال، يبرز خياران: إمّا إجراء الانتخابات احتراماً للشكل الدستوري، وإمّا إرجاؤها مؤقتاً لعدم قدرة الدولة وحفاظاً على مضمون الشرعية.
ينطلق الخيار الأول من فكرة بسيطة: الانتخابات واجب دستوري، وتأجيلها يزعزع الشرعية ويفتح باب الفراغ والتمديد غير المشروع.
أما الخيار الثاني، وهو تأجيل الانتخابات في الظروف الراهنة، فينطلق من مبدأ أعمق: الشرعية ليست في احترام الشكل وحده بل في احترام الجوهر.
في الحالة اللبنانية، يصعب تجاهل واقع الاحتلال بأشكاله المتعددة: احتلال مباشر في أجزاء من الجنوب من قبل العدو الإسرائيلي، يمنع السكان من العودة والمشاركة الطبيعية في الاقتراع، واحتلال بالوكالة عبر هيمنة قوة إقليمية وأذرعها المحلية المسلحة على القرار الوطني في معظم المناطق. في ظل هذا الواقع، هل يمكن اعتبار الانتخابات تعبيراً عن سيادة شعبية كاملة، فيما جزء من الشعب مهجر، وجزء آخر خاضع لضغط السلاح؟
إلى ذلك، تأتي مسألة الشروط القانونية نفسها. قانون الانتخاب الحالي قانون خلافي، لا يحظى بقبول غالبية النواب، وهو ثمرة مساومات بين الكتل الكبرى هدفت إلى التحكم بالصوت التفضيلي، وسط دوائر متفاوتة الأحجام والأهمية، وهو يعمل على إعادة إنتاج الطبقة نفسها.
يكفي أن يحصل مرشح في الشوف-عالية على أقل من 8% لينال مقعداً، فيما يحتاج مرشح في صيدا-جزين إلى نحو 20%. يضرب هذا الخلل مبدأ المساواة بين المواطنين، ويجعل العملية الانتخابية موضع نزاع في مشروعيتها.
ثم إن السلطة المختصة بحماية الشرعية الانتخابية تعاني من أزمة ثقة. المجلس الدستوري منتهي الولاية، وإن أجاز له القانون الاستمرار، إلا أن اجتهاداته السابقة لم تثبت استقلالية كافية، بل كانت موضع نقد واسع. الأخطر أن اختصاصه محصور بالنزاع بين مرشح خاسر وآخر فائز، ولا يمتد إلى تقييم العملية الانتخابية برمتها. فهو لا ينظر في الأعمال التمهيدية، ولا في دستورية القانون الانتخابي عند الطعن بالنتائج، ما يعني أن الخلل في النظام الانتخابي يبقى بمنأى عن الرقابة. أثبتت التجربة أن وجود الرقابة لا يلغي المخالفات بل يحوّلها من فاضحة إلى خفية.
في انتخابات 2018، شهد لبنان حملات تضليل إعلامي خلال فترة الصمت الانتخابي، من خلال بث أخبار كاذبة عن انسحاب لوائح معينة، انتشرت سريعاً عبر وسائل التواصل. صحيح أن هيئة الإشراف تدخلت لاحقاً، لكن الضرر كان قد وقع.
يضاف إلى ذلك تقصير الهيئة في مراقبة الإنفاق الانتخابي، رغم أن القانون فرض سُقوفاً مرتفعة أصلاً تسيء إلى مبدأ المساواة وتضرب تكافؤ الفرص. يبقى المال السياسي العامل الحاسم، لا البرنامج ولا المشروع السياسي.
ومن يضمن أن الحكومة المشرفة على الانتخابات هي حيادية، أو من بإمكانه أن يضمن أن بين أعضائها من لا تنفتح لديهم شهية الترشح؟ لم يشر البيان الوزاري إلى ذلك، ونصبح في حالة خلط فاضح بين الوظيفة العامة والحملة الانتخابية.
حتى سرية الاقتراع، وهي جوهر الحرية الانتخابية، لم تُصن كما يجب. فالمعازل المستخدمة في كل الانتخابات منذ 2018 لم تكن عازلة فعلياً، وكانت موضوعة في مواجهة المندوبين، فيما حجم ورقة الاقتراع وطريقة وضع الصوت التفضيلي يسمحان بمراقبة حركة يد الناخب. هذا خرق مباشر لمبدأ السرية.
تتجمع فوق ذلك عناصر القوة القاهرة: احتلال، تهجير، ميليشيا مسلحة، غياب الأمن الانتخابي، وانعدام الضمانات الجوهرية للنزاهة والحرية. تمس هذه الظروف بوحدة الإرادة الشعبية، وتجعل الانتخابات شكلاً بلا مضمون. نحن أمام خيارين: إما انتخابات تُحترم فيها الإجراءات، لكنها تُفرغ من السيادة والحرية، وإمّا إرجاء مشروط بإعادة بناء شروط الشرعية: استعادة الدولة، سيادة فعلية، قانون انتخاب، مؤسسات رقابية موثوقة، وأمن انتخابي حقيقي.
قد يبدو الخيار الأول أسهل وأسرع، لكنه يحمل خطر تكريس الهيمنة تحت غطاء ديمقراطي على الطريقة الهتلرية حيث وصل الحزب النازي إلى الحكم في ألمانيا عن طريق الانتخابات قبل أن ينقلب على الديمقراطية ويلغيها من أساسها (1932-1933).
أما الخيار الثاني، ورغم كلفته السياسية، يحفظ المعنى الحقيقي للانتخابات بوصفها فعل سيادة لا مجرد إجراء إداري. وبين الشكل والمضمون، يبقى السؤال: هل نريد انتخابات بأي ثمن، أم نريد سيادة حتى لو تأخر الاقتراع؟