المصدر: المدن
الكاتب: فرح منصور
الأحد 6 أيلول 2026 16:40:39
دخل لبنان رسميًا مرحلة التطبيق العملي لقانون العفو العام، عقب توقيعه من قبل رئيس الجمهورية جوزاف عون. ومع انتقال القانون من أروقة التشريع السياسي إلى ساحة التنفيذ والتطبيق، تتجه الأنظار بالكامل نحو قصور العدل، باعتبارها الجهة المعنيّة الأولى بالتعامل مع مقتضيات هذا الاستحقاق، وفكّ التباسات النص التشريعي المكتظ بالاستثناءات والتفاصيل المعقدة.
**اجتماع مجلس القضاء الأعلى
في هذا السياق، كشف مصدر قضائي لـ"المدن" أنه يُتوقع أن يعقد مجلس القضاء الأعلى اجتماعًا يوم غدٍ الاثنين، يخصّصه لبحث الملف الإجرائي لتنفيذ قانون العفو العام. ويهدف الاجتماع إلى وضع خريطة طريق شاملة يتعاطى من خلالها الجسم القضائي مع الاستحقاق الجديد، تفاديًا لأي تخبط أو تباين في الاجتهادات الإجرائية بين المحاكم والدوائر القضائية المختلفة أثناء إدارة هذا الملف الدقيق.
تعاميم النيابة العامة التمييزية
بالتوازي مع تحرك مجلس القضاء الأعلى، يتجه النائب العام لدى محكمة التمييز، القاضي أحمد رامي الحاج، إلى إمساك دفة التنسيق الميداني والتنفيذي للقانون في النيابات العامة. وعلمت "المدن" أن القاضي الحاج قد يتجه إلى عقد اجتماعات تشمل رؤساء النيابات العامة الاستئنافية في كافة المحافظات والمناطق.
وبحسب المصدر، فإن هدف اللقاءات هو رسم آلية تطبيقية موحدة لقانون العفو العام، وتفسير النصوص والتفاصيل التي تشوبها ضبابية، فضلًا عن توضيح ما يكتنف بعض مواد القانون من التباسات قانونية قد تعيق عمليات الإفراج أو تسوية الأوضاع أو تبطئها.
وأكد المصدر القضائي لـ"المدن" أن النائب العام التمييزي سيصدر تعاميم للنيابات العامة. وستحدد هذه التعاميم خطوطًا بيانية واضحة تضبط آليات التنفيذ، بما يساهم في التحديد الدقيق للمستفيدين من أحكام العفو العام.
وأشار المصدر لـ"المدن" إلى أن الممارسة العملية لتطبيق هذا القانون لن تكون خطوة سريعة كما يتوقع البعض، بل تستدعي إجراءً عالي الدقة، يتلخص في دراسة ملفات الموقوفين والسجناء "ملفًا بملف". واعتبر المصدر أن هذا الإجراء يتسم بتعقيد بالغ، ولا يخلو من صعوبة شديدة وبطء شديد، نظرًا إلى الضخامة العددية للأسماء المعنية، والتشعبات القانونية المرافقة والمواد الاستثنائية الكثيرة التي أدرجها المجلس النيابي في نص القانون.
"تعدّد الجرائم والأحكام"
وتستمد هذه التدابير والاستعدادات القضائية المشددة دافعها الأساسي من وجود "التباسات" في بعض النصوص، بحسب التقييم القضائي الأول للنص، وهو ما يحتم على النيابات العامة المعنيّة بالمتابعة إجراء تدقيق فردي شديد، خصوصًا في الحالات الأكثر تعقيدًا التي تتعلق بسجناء وموقوفين متعددي الملفات والقضايا، والذين صدرت بحقهم أحكام متعددة من جهات قضائية مختلفة.
وضرب المصدر القضائي لـ"المدن" مثالًا يوضح هذه التعقيدات؛ إذ قد يكون أحد السجناء ملاحقًا أو محكومًا في عدة قضايا مستقلة، وبعد التدقيق، قد يتبيّن أنه يستفيد من قانون العفو العام في قضية معينة، في حين يُحرم من الاستفادة منه في قضية أو ملف آخر، إذا كانت الجريمة المنسوبة إليه في ذلك الملف تقع ضمن قائمة الاستثناءات الخاصة التي نص عليها القانون، كجرائم الإرهاب أو قتل العسكريين أو جرائم التجسس وبعض الجرائم المالية وغيرها.
وبناءً عليه، فإن حسم استفادة أي سجين أو موقوف من العفو لن يكون بقرار جماعي، بل سيتطلب تفكيكًا تفصيليًا لكل ملف على حدة، قبل اتخاذ القرار القضائي النهائي بالإفراج أو بتخفيض العقوبة.
وختم المصدر لـ"المدن" بأن بعض الموقوفين يُلاحقون أمام أكثر من محكمة، باختلاف الصلاحية المكانية للجُرم، وهذا يحتم التنسيق بين نيابات المناطق في دراسة الملفات، لئلّا يُظلم أحد في العفو. أضف إلى ذلك أن بعض مواد الاستثناءات لا يوجد لها نصّ في قانون العقوبات، مثل الجرائم المرتبطة بأموال المودعين؛ إذ لا يوجد في قانون العقوبات اللبناني أي مادة تذكر أموال المودعين، وهذه المادة، مثلًا، تحتاج إلى اجتهادات قضائية أو إلى العمل على تشريع عقوبة ترتبط بالجُرم المستحدث.