المصدر: نداء الوطن
الكاتب: بطرس الخوري
الاثنين 23 شباط 2026 20:50:52
يكثر الحديث في أيامنا عن تعديل للنظام، أو البحث في عقد اجتماعي جديد بين اللبنانيين، وقد أعتاد اللبنانييون عند كل مفترق طرق، او ازمة كبيرة، طرح هذا الموضوع لا من باب التحسين والتطوير، وبعقل بارد وأجواء هادئة في البلاد، انما دائماً يأتي الطرح في سياق تغيير في موازين القوى محاولةً لتحصيل مكاسب في حالة الغلبة، أو تعويض بدل عن تخلي.
مرّ لبنان بعد الأستقلال بمراحل وأحداث أمنية كبيرة، نتيجة الخلافات التي استحكمت بين أبنائه وطوائفه، حيث كان الدستور والنظام والصلاحيات موضوع سجال، كان ولا يزال يتصاعد ويسخن عند كل اختلال في ميزان القوة لإحدى الطوائف، وينخفض ويبرد عندما تغلب قوة التوازن بينهم.
فالانتفاخ في ميزان القوة في الخمسينيات، أدى الى حرب في 1958، والتوازن في الستينيات أدى الى استقرار وغياب الكلام عن الامتيازات والاجحاف والمطالبة بتعديلات. هذا التوازن أختلّ بعد دخول العامل الفلسطيني المسلح الى لبنان، واستقواء فريق من اللبنانيين بالسلاح لتحصيل مكاسب بالنظام، وانفجرت الحرب بين فريق خائف على ضماناته كأقلية، وفريق ممتعض من إجحافه كأكثرية، استعان خلالهما الفريقان بالشياطين للدفاع عن فكرتهما.
خلال هذه الحرب، جرت عدة محاولات للوصول الى تفاهم بين الأفرقاء المتقاتلين، أهمها الوثيقة الدستورية في 1976، الاتفاق الثلاثي في 1985، وصولاً الى وثيقة الوفاق الوطني، أو اتفاق الطائف، التي أنهت حالة الحرب في لبنان.
صدرت الوثيقة الدستورية في 14 شباط 1976 بمبادرة من رئيس الجمهورية أنذاك سليمان فرنجية، تضمنت أجراء اصلاحات سياسية ودستورية، من خمسة بنود أساسية، أهمها المناصفة وتعزيز صلاحيات مجلس الوزراء، هذه الوثيقة لم تُنفذّ، فحينها كانت لا تزال موازيين القوى بين اللعبة الداخلية والتدخلات الخارجية، أقوى من حسابات التوازن والمصلحة العليا.
استمرت الحرب، وتبدّلت الموازيين، وخلال هذه التبدلات طُرحت أفكار تراوحت بين الحفاظ على الصيغة والميثاق، الى الفدرالية والكونفدرالية، وما بينهما. ويعتبر البعض، أن الاتفاق الثلاثي، الذي وقعته الميليشيات المتحاربة، كان استمرارية للوثيقة الدستورية، مع الفرق أن الاتفاق الثلاثي اتى في سياق تبدلات هائلة حصلت لافرقاء الصراع، فالقوي في 1976 أصبح منهكاً في 1985، والعكس صحيح، وفي حين كانت الوثيقة الدستورية بمبادرة رئاسية داخلية، أتى الاتفاق الثلاثي بمبادرة ورعاية سورية مباشرة. لم تسمح موازيين القوة داخل الملعب المسيحي، بتنفيذ هذا الاتفاق، وعاد الجميع الى جولة جديدة من الصراع، عسى أن يحسّنوا من ظروفهم لفرض شروطهم في المفاوضات بينهم.
مهّدت الوثيقة الدستورية، والأتفاق الثلاثي، ومحادثات جنيف ولوزان، في الوصول الى وثيقة الوفاق الوطني، التي وُقعت في مدينة الطائف في المملكة العربية السعودية في 1989، هذا الاتفاق الذي انهى الحرب بين اللبنانيين، وأرسى معادلة جديدة في تعاملهم مع بعض.
نجح اتفاق الطائف، بعكس الاتفاقات السابقة، بسبب موازيين القوى الخارجية من أميريكية وسعودية وسورية التي ضغطت لضمان نجاح الاتفاق، وتلاقت مع تبدّلات في الموازيين الداخلية أدت بالأفرقاء الى القبول به. عملياً جاوب الطائف على أغلب هواجس الطوائف،
مسيحياً، أكدّ كتابياً دستورياً على نهائية الكيان بحدوده الاستقلالية.
اسلامياً، جاوب تأكيداً كتابياً دستورياً على عروبة لبنان وانتمائه الى محيطه العربي.
طائفياً، "لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك".
ديموغرافياً، الحفاظ على المناصفة ووضع الصلاحيات التنفيذية داخل مجلس الوزراء مجتمعاً.
اصلاحياً، التشديد على الانماء المتوازن، اللامركزية الادارية، اعادة العمل بنظام المجلسين، الغاء الطائفية السياسية...
أُقرّ الطائف بتعديلاته ولم يُنفّذ بجوهره أوحتى بشكله، لأختلال ميزان القوة لصالح السوريين أولاً، وبعدهم الإيرانيين وحزبهم في لبنان.
تبدّلت الموازيين في الشرق، وفي لبنان، حالياً، ومع تبدّلها يطرح البعض، كلٌ من موقعه، ومن حساباته، التعديل على النظام او الدستور، البعض لأستعادة صلاحيات يعتبر أنه فقدها، والبعض الأخر للحصول على أمتيازات، يعتبر أنها تعويض عن تخليه عن السلاح وبدل عن الأستشهاد.
صحيح أن الدستور ليس كتاباً مُنزلاً، وصحيح أن الأنظمة بحاجة الى تعديل للتطوير، ولكن الأصح أن هذه الأفكار تُبحث بجوٍّ من التوازن والأستقرار، هكذا دلَت التجربة والمطلوب الأن الصبر على التغيير، فالصبر مفتاح الفرج.