المصدر: النهار
الكاتب: سلمى أبو عساف
السبت 6 حزيران 2026 17:21:16
"من أين لي أن أشارك في رتبة تبريك زيت الميرون؟" بخفر وحياء همس كلود، قندلفت الكرسي البطريركي قبل أكثر من 30 عاماً، كلماته وهو يتناوب على طبخ زيت زيتون في قدر معدنية خاصة على نار متوسطة داخل كنيسة سيدة الانتقال في حرم البطريركية المارونية الداخلي، تحضيراً لتبريك هذا الزيت في اليوم التالي في كنيسة القيامة في باحة الصرح الخارجية.
"هي المرة الأولى التي أشارك فيها وأكتشف سرّ زيت الميرون المقدس، هذا الزيت العجائبي بالنسبة إليّ، لما تختزنه ذاكرتي من ميزات مقدسة خاصة بهذا الخليط، لقننا إياها آباؤنا وأجدادنا على مر الزمن". هكذا تعبّر الشابة ميلاني عما تعنيه لها هذه الرتبة وهي تواصل تحريك الزيت.
أما السبعينية التي كانت تحدّق إلى القدر وتنشد مع المرنمين، فلم تتمكن من حبس دموعها لحظة أضاف المطارنة تباعاً العطور والأعشاب إلى الزيت مع استمرار التحريك بالعصا الخشب الكبيرة، معتبرة مشاركتها في الرتبة "نعمة ربانية".
ويبقى المشهد غير المألوف الذي يكسر روتين أجواء الرتب الكنسية المعتادة. فلقد تمظهر بديناميكية اختلطت فيها نخوة الشباب بفضول الاكتشاف، فتوزعت الشابات والشبان في أرجاء الكنيسة بين مهتم بالشؤون اللوجستية وآخر يرفع الصلوات، ومرنّم للأناشيد وحامل للعطور ومحرّك للزيت وخادم للرتبة وفاحص للقدر ومدقق في النار وشارح لما يحصل. إنه مشهد استثنائي اتسم بعفوية وتواضع واندفاع وإيمان بدا واضحاً على وجوه هؤلاء الذين عبّروا كل على طريقته عن فرح العودة إلى جذور تراثية تقليدية أتاحت لهم المشاركة في تحضير زيت تثبيتهم أبناء كنيسة.
ويرى المطران الياس نصار المشرف على تنفيذ المبادرة أن إعادة إحياء هذه الرتبة "رجعة كنسية طقسية، تجسّدت في إرادة البطريرك الراعي إحياء رتبة تقديس زيت الميرون بمرحلتيها الطبخ والتبريك كما وثقها البطريرك شمعون بن حسّان الحدثيّ سنة 1515 مع بعض التعديلات الثانوية عليها، هذه الرتبة التي اختصرها البطريرك اسطفان الدويهي سنة 1694 بمرحلة واحدة. ولقد أحياها البطريرك الراعي لتأكيد التمسك بالتراث التقليدي الشرقي للكنيسة المارونية ووحدتها مع الكنائس الشرقية، وتحفيز المشاركة الراعوية الأوسع للمؤمنين".
48 ليتراً من زيت الزيتون البكر وُضعت فوق النار في قدر معدنية خاصة تكفي حاجات رعايا أبرشيات لبنان والانتشار لنحو سنة كاملة بحسب مصدر كنسي. وعلى صوت الترانيم والصلوات تقدّم علمانيون وسط الكنيسة حاملين أوعية العطور الثمينة والأعشاب الفواحة التي تضمنت 15 نوعاً من الأعشاب وزيوت العطر النفيس من مسك وزعفران وورد وعنبر وغيرها، باستثناء البلسم.
وفي هذا السياق أعلن الخوري المتخصص في الليتورجيا المارونية الأب إيليا سعادة أن "التقليد كان يقضي بأن يجلب المؤمنون معهم العطور والأعشاب الثمينة بحسب ما تشير إليه صلوات الرتبة، ولكن ما حصل اليوم هو أن الكنيسة هي من اشترى العطور والأعشاب الثمينة من عطارين لبنانيين بعد التأكد من جودتها مخبرياً، واستقدمت البلسم من الولايات المتحدة الأميركية".
ومداورة بعد البطريرك، أضاف مطارنة لبنان والانتشار الموجودون في الصرح البطريركي للمشاركة في أعمال سينودس الأساقفة، العطور والأعشاب إلى الزيت، مع تحريك متواصل، وهو ما يُعرف برتبة طبخ الزيت التي بحسب التقليد كانت تستمر حتى فجر اليوم التالي، في حضور البطريرك والأساقفة والعلمانيين، وسط الصلوات والأناشيد. إلا أن تعديلاً لحق بوقت الطبخ الذي استمر ثلاث ساعات ونصف ساعة رُفع بعدها الزيت إلى السكرستيّا حتى اليوم التالي الذي ستتم فيه رتبة التبريك التي يترأسها البطريرك الماروني، وتكون له وحده أحقية إضافة البلسم وزيت الميرون القديم إلى الزيت المعطر المطبوخ، وهنا أيضاً لحق التعديل زيت الميرون القديم الذي كان يُحرق وبات اليوم يضاف إلى الميرون الجديد.
وختاماً، بعد بلسمته وتبريكه، يُسكب زيت الميرون المقدس في أوانٍ خاصة تحمل شعار البطريركية وتسلّم إلى أساقفة الرعايا في لبنان والانتشار لاستعماله في سر العماد والتثبيت وتقديس المذابح والكنائس الجديدة وتكريس الأواني والأيقونات، رمزاً لحلول الروح القدس.
"إن فقر كنيستنا وتواضعها قد أغنياها". هكذا يثمّن راعي أبرشية بيروت المطران بولس عبد الساتر الخطوة الكنسية في اتجاه استعادة إرث روحاني عريق، مشدداً على معنى العودة إلى هذا التجذر الماروني التاريخي والتراثي والفكري والروحي، وضرورة أن تتعرّف إليه وتشارك فيه الأجيال الجديدة.
هل تكون عودة الكنيسة المارونية إلى التمسك بجذور إرثها التقليدي، رسالة منها، سلطة وشعباً، لتأكيد حضورها وتمسكها بالوطن والأرض في شرق فُتحت عليه أبواب الجحيم؟