حرب إيرانيّة مفتوحة على السعوديّة...

الصواريخ الحوثية التي تنهال على المدن والمطارات والمنشآت السعودية ليست مجرد اعتداءات حدودية يُمكن احتواؤها ببيانات الاستنكار، بل تحوّلت إلى إعلان حرب إيرانية مفتوحة على أمن المملكة واستقرار الخليج ومصالح العالم. فما يُطلَق من الأراضي اليمنية ليس سلاحاً يمنياً يدافع عن قضية وطنية، وإنما أدوات قتل وضعتها طهران في أيدي جماعة اختطفت اليمن، واستباحت دماء شعبه، وحوّلت جغرافيته إلى منصة لتهديد الأشقاء وابتزاز المجتمع الدولي.

هي حرب إيرانية مكشوفة ضد السعودية، بأدوات ميليشاوية حوثية، ولكن بتخطيط وأسلحة إيرانية، لأن الحوثي لا يملك من القدرات الذاتية والخبرات العسكرية ما يُمكّنه من شن مثل هذه الإعتداءات على المنشآت المدنية الحيوية في المملكة.

إن الإعتداء على المملكة بهذا العنف والتوحش ليس عشوائياً، لأن الهدف يتجاوز إصابة مطار أو منشأة نفطية إلى مُحاولة ضرب مركز الثقل العربي والإسلامي، وتقويض نموذج الدولة التي صنعت خلال نصف قرن نهضةً عمرانية واقتصادية وعلمية غيّرت وجه المنطقة. إنها معركة بين مشروع عربي يبني الدول ويحمي الإنسان ويفتح أبواب المستقبل، ومشروع إيراني لا يجيد سوى زرع الميليشيات، وتصدير الصواريخ، وإشعال الحرائق فوق أنقاض الشّعوب.

إن أي تهاون في مواجهة هذا الإرهاب لن يكون حكمة ولا حرصاً على السلام، بل دعوة مفتوحة للمعتدي كي يتمادى، ممّا يشكل تهديداً مباشراً، ليس لأمن شعوب المنطقة وحسب، بل وللعالم. فكل صاروخ يُطلق على مطار سعودي، وكل مسيّرة تستهدف منشأة نفطية أو مدينة مأهولة، لا تهدد المملكة وحدها، بل تضرب استقرار أسواق الطاقة، وسلامة خطوط النقل، وحركة التجارة والاستثمار. وعندما ترتفع أسعار النفط وتتراجع الإمدادات وتتضاعف كلفة الشحن والتأمين، تكون الدول والشعوب، خاصة الفقيرة والمستضعفة أوّل من يدفع الثمن من غذائها ودوائها وفرص عمل أبنائها.

أمّا اليمن، الضحية الأولى، فقد حوّله الحوثي من بلد عربي عريق تربطه بالسعودية وشائج التاريخ والجغرافيا والمصاهرة والمصالح المشتركة، إلى قاعدة صاروخية متقدمة للمشروع الإيراني. القرار الحوثي لا يعبّر عن أولويات اليمنيين في السلام والتنمية وإعادة بناء الدولة، بل عن حسابات الحرس الثوري الإيراني في المساومة والابتزاز وتوسيع ساحات المواجهة. وهكذا يُضحّى بالشعب اليمني، بالفتن والجوع والمرض والنزوح، وبإقحامه في حروب داخلية لا أفق لها.

واستهداف السعودية بهذا الإصرار ليس أمراً عابراً. فالمملكة تمثل ثقلاً عربياً وإسلامياً لا يمكن تجاوزه، وتحتضن الحرمين الشريفين، وتقود شبكة واسعة من العلاقات والمبادرات العربية والدولية. وهي أيضاً ركيزة أساسية في الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة ومجموعة العشرين، وصاحبة حضور مؤثر في عواصم القرار، من واشنطن وباريس ولندن إلى بكين وموسكو. ومن هنا يريد المشروع الإيراني، عبر الحوثي، أن يضرب مركز الثقل العربي، وأن يفرض على الرياض كلفة أمنية واقتصادية متواصلة، أملاً في إرباك دورها الإقليمي والدولي.

وثمة سبب آخر لا يقل أهمية: المملكة تقدم نموذجاً تنموياً يناقض مشروع الفوضى الذي تعيش عليه إيران والميليشيات التابعة لها. فما أنجزته السعودية ودول الخليج خلال نصف قرن من مدن حديثة وبنى تحتية وجامعات ومستشفيات وصناعات واستثمارات وتحول تقني، يفضح عجز النموذج الإيراني القائم على عسكرة المجتمعات وتصدير الأزمات. المشروع الخليجي يبني الدولة ويستثمر في الإنسان والمستقبل، فيما يبني المشروع الإيراني ترسانات داخل الدول ويُصادر قرارها ويحوّلها إلى ساحات خراب، ويترك الشعب الإيراني فريسة الإهمال والتخلف والمعاناة، وتحت ضغط القتل وأبشع أنواع العنف في قمع مبادرات الإحتجاجات والإنتفاضات الشعبية.

لقد أثبتت تجارب التاريخ أن الصمت لا يردع المعتدي، وأن البيانات الدبلوماسية المنمقة لا توقف الصواريخ. فكل تهاون يُقرأ في طهران باعتباره ضعفاً، وكل تأخير في المحاسبة يمنح الحوثي وقتاً إضافياً لتطوير أدوات القتل وتوسيع دائرة الاستهداف. والمطلوب اليوم موقف عربي وإسلامي ودولي واضح: حماية الأجواء والممرات البحرية، وقف تدفق السلاح الإيراني، ملاحقة شبكات التمويل والتهريب، ودعم الدولة اليمنية الشرعية بما يعيد القرار إلى اليمنيين أنفسهم.

الدفاع عن السعودية ليس اصطفافاً ظرفياً إلى جانب دولة شقيقة، بل دفاع عن أمن الخليج، وحرمة المقدسات، واستقرار الطاقة، وسلامة الاقتصاد العالمي، وعن حق الشعوب العربية في أن تبني مستقبلها بعيداً عن إرهاب الميليشيات وابتزاز المحاور.

لقد آن أوان الانتقال من إدارة الخطر إلى اقتلاعه، ومن احتواء العدوان إلى ردعه، ومن استنكار الجرائم إلى محاسبة مرتكبيها.